الصورة للفنانة غريد جحا
كتبت الدكتورة إيمان بقاعي قصة قصيرة:(نزوح)، 5/ 10/ 2024
(جلس عجوز مغمض العينين يهز رأسه هزات منتظمة على شرفة البيت الأرضية بعد أيام من نزوحه وجيرانه في الجنوب اللبناني إلى قرية لم يسمع بها من قبل تمامًا كما لم يسمع باسم مسقط رأسه.
وعند باب البيت المصفوفة قرب عتبته عشرات الاحذية الكبيرة والصغيرة أضيف حذاء نسائي قديم، ودخلت صاحبته الخمسينية لتضم مغمضَ العينين وهي تبكي:
“بيي، إنت هون؟ فتشنا عنك الحراش وافتكرنا قتلتك قذيفة قبل ما يخبرونا إنهم شافوك مع بيت جيراننا الهاربين”.
وامسكت كفه الباردة:
“انا ابنتك”!
لكنه أكمل هز رأسه من دون أن تعني الجملة للناسي زمانه ومكانه منذ اكثر من خمس سنوات أي شيء).
كتبت تعليقًا على القصة:
القصة مؤثرة جدًا دكتورة إيمان وتعكس بعمق ألم النزوح وفقدان الذاكرة، ليس فقط على المستوى الشخصي، بل كرمز لواقع أكبر يعاني منه الكثيرون في وطننا. رسمتِ ببراعة صورة هذا العجوز الذي لم يعد له انتماء لا للزمان ولا للمكان، مما يجعل لقاء ابنته مشهدًا يمزج بين الحزن والفقدان. النص مليء بالرمزية، بدءًا من الأحذية التي تُظهر أثر النزوح الجماعي، وصولًا إلى عدم قدرة العجوز على تمييز ابنته، وكأنه تجسيد لغياب الذاكرة الجماعية لبلد بأكمله.
أعجبني اختيارك للإيجاز، حيث تركتِ للنص أن يتحدث عن نفسه من خلال الحوارات القصيرة والتفاصيل الدقيقة، ما منح المشهد عمقًا كبيرًا. الحذاء النسائي القديم يعكس عبء الذكريات، بينما ضمّة الابنة الباكية توحي بشعور لا يوصف من الحب والعجز.
باختصار، القصة بديعة ومؤلمة في آن، وتحمل أكثر من مجرد سرد حدث، بل تُظهر ببراعة ما تخلفه الحروب والنزوح من جراح على الذاكرة والإنسان. رائعة!