كَرّمت دار نعمان للثّقافة في مركزها في جونية في 13/4/2011 الكاتبة غريد الشّيخ محمد، وقد قدّم الحفل الأديب الدكتور ناجي نعمان صاحب المؤسسة الثقافية، وذلك بحضور وجوه ثقافية مميزة في لبنان.
كلمة الشَّاعرة هدى ميقاتي
عن (المعجم في اللّغة والنّحو والصَّرف والمصطلحات 1/ 6)
الشَّاعرة هدى ميقاتي
غريد الشَّيخ: عَرَبِيَّةٌ تَعَشَّقَتِ الأَدَبَ والشِّعرَ حتّى مُنتهى العِشْق.. وتَوغَّلَتْ في اللُّغَةِ حتى لامَسَت الأَعماق.. وتَوسَّدَتْ أُمَّهاتِ الكتُب فكانتْ لها الوِسادَ والكِساءَ والغِذاءْ..
لها حَنْجَرَةُ عُصْفُورٍ وقَلْبُ يَمامةٍ وإرادةُ نَسْر…
كانتْ مَكسُوَّةً بَعْدُ بِالزَّغَبِ اللَّطِيفِ حين تَعلَّمَتْ التَّحليقَ بين مُنحَنَياتِ اللّغةِ وفوقَ رَوابيها وقِمَمها حتى لامستْ قوادمُها الذُّرى… مِن طَبعِها اللَّهفةُ تَبْذُلُها باعتزاز… ومِن سَجاياها الحَنانُ تُخَبِّئُه بِفَيْضٍ مِنَ الحَيويَّةِ والبَشاشة… وهي بين رِقَّةٍ ولُطْفٍ وصَلابةِ مَوْقِفٍ وطَلاقةِ لِسانٍ تَدَعُكَ تَطَّلِعُ على رَحْبٍ مِن ثَقافتِها بلا ادِّعاءٍ ولا فَذْلكةٍ مُضْجِرة…
في عينيها يتَوَهَّجُ حَجَرُ ذَكاءٍ كريم… شُعْلَةٌ أُلْقِيَتْ في مياهِ نَظْرَتِها التي تُومِضُ وتَتَرَقْرَقُ فتَعْجَبُ كيف يجتَمِعُ النَّقيضانُ بكلِّ هذا الانسجامِ اللَّطيفْ الجميل…
عَربيَّةٌ تَعَشَّقَتِ الأَدَبَ والشِّعرَ حتى مُنتهى العِشْق… وتَوغَّلَتْ في اللُّغَةِ حتى لامَسَت الأَعماق… وتَوسَّدَتْ أُمَّهاتِ الكُتُب فكانتْ لها الوِسادَ والكِساءَ والغِذاءْ..
أديبةٌ جعلتْ مِن لُغة الضّاد تاجًا لأحلامها الذّهبيّة ورصّعته بسبع وثلاثين جوهَرة مِن الكُتُبِ نَقَشَتْها عليهِ بمَحبةٍ وإِجلالٍ ثم زَيَّنَتْهُ بماسَةٍ فريدةٍ ثمينةٍ هي الأَثيرةُ فيه ولَن تكون الأَخيرة…
مَن يَطّلِع على حياة الأَديبة غريد الشّيخ محمد ويتابِعُ عملَها يعرِفُ كم تَنسجُ بحُبٍّ واهتمام عباءاتِ كُتُبِها العربيةِ المُطَرَّزةِ بالأَصالة… وكم تَتولّاها النَّشْوَةُ والزَّهْوُ حين تنتهي من عملِها وتحمِلُهُ بين يديها خارِجًا مِن المطبعة بكلِّ أَناقَتِهِ وجمالِ فَحواه… ولا عَجَبَ فالكِتابةُ لمْ تَكُنْ في هوامشِ حياتِها بل في صُلْبِ اهتِماماتِها… ولمْ تَكتُبْ مرّةً لِمُراءاةٍ أَو لِكَلَفٍ بالظُّهورِ بل تَنْصَهِرُ في عمَلها حتى التّفاني والاضمِحلال… وحين تَنْهضُ به بَعد إِنجازِهِ تجعَلُهُ أَمامَها لِتَقِفَ في ظِلِّهِ وتَراها تَمشي به ويَتَقَدَّمُها جَذْلانةً مَزْهُوَّةً بما تَحمِلُ… بينما تَزْهو الأُخْرَياتُ بِعِقْدٍ على الجِيدِ أَو بفستانٍ جديد…
وها هي تأْتي حامِلةً معها مُعْجَمَها لِنَقْرَأَ فيه هُوِيَّتَها الحقيقيّة: أُمُّها الضّادُ وأَبوها الجِهادُ وأَخَواتُها المُفردات، ولَو قالت بعد ذلك إِنّها سوريّةٌ لبنانيّة شركسيّة…

لقد خرج اليوم معجَمها “المعجم” الجديد من رَحِمِ التَّعَب والجُهدِ والدَّهشة… فكم هو حَرِيٌّ بنا أَنْ نَتَلَقَّفَ هذا المولودَ العِملاقَ ووالِدتَهُ بِالتَّرحابِ والأَهازيج، وهي أَوَّلُ سَيِّدةٍ عَربيَّةٍ تَضَعُ مُعجَمًا بهذا الإِتقانِ وهذه المهارةِ والدِّقَّة…
كان مِن جميل الصُّدَفِ أَن أَكونَ صَديقَتَها وأَن أَطَّلِعَ على مَسيرَتِها وأَقِفَ على مُعاناتِها وهي تُنْجِزُ عَملًا لا أَقولُ تَعْجَزُ عنهُ الرِّجالُ فقد أَلْغَتْ غَريدُ نِهائيًّا هذه المَقولَةُ الّتي تَفْتَرضُ الفوارقَ، بل أَقولُ عملًا تَعْجَزُ عنهُ مؤَسَّسةٌ لا بالمُطْلَقِ بلْ بالتَّحديد…
عَشْرُ سنواتٍ مِن الكَدِّ والجُهْدِ والصَّبرِ وغَريدُ تبحثُ في مناجِم اللّغةِ ودهاليزها وتَذْرَعُ شاطئِها الرَّحيبِ… تُلَمْلِمُ المُفرداتِ… تَلتَقِطُ الأَصيلَ وتَرمي الدَّخِيلَ… تَجْمَعُ وتُرَتِّبُ وتُصَنِّفُ وتَشْرَح… تَسْتَبقي القَديمَ المُهمَلَ… تُلَمِّعُهُ وتَصْقُلُه… وتُضِيفُ الجَديدَ المُسْتَخْدَمَ تُفَنِّدُهُ وتُعَرِّفُه… حتّى إذا اكْتَمَلَتْ لَدَيْها المُفْرَداتُ والتَّراكيبُ بِمَعانيها ومَدلولاتِها وشُروحاتِها وشَواهِدِها خَرَجتْ إِلينا بِكَنْزٍ ثَمينٍ أَقلَّ ما يُقالُ فيه إِنّه تُحْفَةٌ فَنِّيَّةٌ لُغَوِيَّةٌ في الشَّكلِ والمَضْمون…
حين نَنْظُرُ إِلى المُعْجَمِ نَظْرَةَ المُتأَمِّلِ تتراءى لنا اللُّغةُ أُمَّةً احْتَشَدَتْ بين طَيَّاتِه بِكُلِّ تاريخِها العظيم… وتَجَسَّدَتْ فيه بآلاف المُفرداتِ وملايينِ المُشْتقَّاتِ والتَّراكيبِ والجُمَلِ والمعاني الّتي جَرَتْ عَبْرَ التّاريخِ على أَلسِنةِ أَبنائِها واسْتَنْبَطْتها عُقولُهم ومُسْتَلْزَماتُ حَياتِهم على مَدى العصور…
وحين ننظرُ إليه نظرةَ المُتَفَحِّصِ نَجِدُ بين دَفَّتَيْه عَمَلًا شاملًا مُتكامِلًا مُبَسَّطًا مَرْصُوفًا بِعنايةٍ فائقةٍ في جَمالِ طِباعةٍ ونَقاوةِ حَرْفٍ… مُرَتَّبًا تَرتيبًا هجائيًّا على طريقة علي بن الحسن الهنائي الّتي اعتمدتها غريد في مَنْهَجِها، مُؤْثِرَةً إيّاها كَوْنَها تُسَهِّلُ على مُسْتَخْدِمِ المُعْجَمِ الوُصولَ إلى كَلِمَتِه المُرادة فلا يَتَطَلَّبُ منه بَحْثُه عن الكَلِمَةِ سِوى صِحّة نُطْقِها وكِتابَتِها.
لم تستبعدْ غريد الشَّيخ محمد الكلمات والألفاظ الّتي طَوَتْها العُصور، ولم تَعْتَبِرْها كلماتٍ بائدةً سقطتْ مِن خزائنِ اللُّغة فأُهْمِلَتْ ثمّ صَدِئَتْ، بل أَصَرَّتْ على إدراجِها في سياق أخواتِها حِفاظًا منها وحِرْصًا على تُراثٍ لُغَوِيٍّ وشِعْريٍّ قديمٍ يَصْعُبُ على مَن يتناولُه أن يفهمَ معانيه دون الرُّجُوعِ إلى المعاجم القديمة، أو إلى مُعْجَمِها على وجهِ الخُصُوص.
أليس في ذلك إحياءٌ لِتُراثِنا اللُّغَويِّ العَظيمِ مِنْ أن يُحَنَّطَ أو يُبادَ، أو يُلْقَى في سَلَّةِ المُهْمَلات.
مُتْعَةٌ هو الغَوْصُ في هذا المُعْجَمِ والبحثُ فيه، مُتْعَةٌ تَبْعَثُها سُهولةُ قِراءتِهِ ووضوحُ حَرْفِه ونَقاوةُ طِباعَتِه، وتلك الشَّواهدُ التَّوضِيحيّةُ الغَنِيّةُ الّتي زَيَّنَتْ بها المُؤَلِّفةُ شُروحاتِها مِن آيات القرآن الكريم، وغيرها من الشَّواهد اللُّغويّة العَربيّة الّتي تَنْضَحُ بِالفَصاحةِ وسَلامةِ المَعْنى لِتُشَكِّلَ إلى جانبِ الفائدةِ اللُّغويّةِ زَوَّادةً ثقافيّة وحَضاريّة.
ونُمْعِنُ في الغَوصِ في تفاصيلِ المُعْجَمِ فتراها قد رَفَدَتْه بِمُفرداتٍ لُغَويّةٍ عَصْرِيَّةٍ جَمَعَتْ فيها الكثيرَ مِن مجالاتِ المَعرفةِ مِن فُنونٍ وآدابٍ وعُلُومٍ، مُعَرِّجَةً على قواعد اللُّغَةِ الّتي لم تُغْفِلْها المُؤَلِّفةُ في المُعْجَم، فإذا هو مَرْجِعٌ لِلسَّائِلِينَ عن علومِ النَّحوِ والصَّرْفِ والقواعدِ بِما يَشْمَلُ الطُّلاّبَ منهم والمُتَخَصِّصِينَ.
كم أسعدَني صُدُورُ هذا المُعْجَم، وكم أشعرَني بِالفَخْرِ والاعتزازِ بِبَناتِ جِنْسي مِنَ الأديباتِ والكاتباتِ اللّاتي يَتَمَيَّزْنَ بِمَوهبةٍ أَصِيلةٍ تُعَزِّزُها بَراعةٌ لُغَوِيّةٌ وسَدَادُ فِكْرٍ وإرادةٌ وصَبْرٌ لا يَتَحقَّقانِ إلّا لَدَى أُنْثَى عاشقة مُتَيَّمَة باللُّغة كَغَريد الشَّيخ.
وإنّي إذ أُبارِكُ للصّديقة غَريد الشّيخ ولِلأُمّةِ العربيّة هذا النِّتاجَ الضَّخْمَ القَيِّمَ والفَريدَ الّذي شَكَّل حَدَثًا لُغَوِيًّا وحَدَثًا أُنْثَويًّا بارزًا كانت فيه، غريد الشّيخ، رائدةً في هذا المَجال، أَتَمَنَّى أن يُشَكِّلَ عَمَلُها هذا في المُستقبل حالةً تَعْبَوِيَّةً أَدَبِيّةً للنّساء المُفْتَتِناتِ بِلُغَتِهِنَّ العربيّةِ الجميلة.
وأخيرًا أُقَدِّمُ هذه الباقة إلى الصَّديقة العزيزة غريد الشّيخ:
(تُغَرِّدُ في مَعاجِمِها غَريـدُ
ورَجْعُ غِنائِها النَّغَمُ الفَريدُ
تَقاسِيمٌ على الأَوراقِ تَغْفو
فَتُوقِظُها، ويَعْزِفُها النَّشـِيدُ
لِسـانٌ يَعْرُبِيُّ الوَقْعِ يَعْلو
ولا يَهْتَزُّ مَبْنـاهُ الوَطِـيدُ
وتَنْهَمِرُ المَعاني، كُلُّ لَفْظٍ
لهُ التِّبْيانُ والمَعْنـى الأَكِيدُ
***
ليالي الصَّبرِ مَرَّتْ ما اسْتَكانَتْ
ولَمْ يَرْفُقْ بها الجُهْدُ الجَهِـيدُ
فقد عَشِقَتْ، و”سَحْبانٌ” هواها
وفارِسُ حُلْمِها “العَقْدُ الفَريدُ”
تَغَذَّتْ مِنْ يَنابِيـعِ البَـوادي
وقُطْعانُ الكَلامِ بِها حُشُـودُ
رَعَـتْها كالرَّؤُومِ وما ثَنـاها
على ضِـيقٍ فَطـِيمٌ أَو وَلِيدُ
وتُطْعِمُها الحُروفَ وكُلُّ حَرْفٍ
تُضَمِّـنُهُ لِـمُفْرَدَةٍ يَجُـودُ
إذا مَسَحَتْ صِحافًا تَجْتَلِيـها:
هنا حَجَرٌ، هُنا ذَهَبٌ نَضِـيدُ
وإِنْ بَحَثَتْ يُسـاقُ لـها بَيانٌ
كما يأْتـي الـمُرادَ لَهُ مُريدُ
غَرِيدُ تُغَرْبِـلُ الأَلفاظَ تِبْـرًا
ويَبْـقى مِن سُلالَتِهِ التَّلِيـدُ
لها النُّعْمَى، جِهادٌ ليسَ يَفْـنَى
لها القَلَمُ الـمُظَفَّرُ والسَّـعِيدُ)