حوار شعري مع الفيتوري

93
0

بقلم: غريد الشيخ محمد


يستقبلك بابتسامةٍ قلقة، يدعوك بترحيب للجلوس، عيناه تبحثان في المجهول، يجلس ولا يجلس، يتحرَّك بعصبية، يكاد لا يثبت في مكان.. سألته أن يجيبني عن بعض الأسئلة…
فأجاب: أُفَضِّل أن أجيب شعرًا، فشعري هو أنا، وشخصيتي، ومواقفي.
قلت: أحبُّ هذا…
قال: تفضَّلي إذًا…
س: أين تُعَلّقُ صورةَ شِعرِك؟
ج:
(ها هي ذي تتمايلُ راعشة
أغصان اللَّيل عليك..
وأنت بلا دربٍ… وبلا صاحبْ
يا ويح جنونك…
أين تُعَلّقُ صورةَ شِعرك؟
في زمن المجد الكاذب!)
س: والوطنُ اليوم؟
ج:
(وتسأل العربَ الأقحاحَ عن وطـنٍ
فتضمحلُّ معانيهم وإنْ كَـثُروا
وتلمسُ الموتَ في أرواحِهم فإذا
مَسَسْتَ أجسادَهم مُسْتَنْكِرًا نفروا
وتسألُ العَصْرَ هل كانوا؟ وهل غرقتْ
وجوهُهم في بحارِ الرَّملِ واحتضروا؟
وأيّهم خان راياتِ النّضالِ؟ ومَن هذا
الّذي حاصرَ الأبطالَ فانحصـروا؟)
س: والطُّغيان؟
ج:
(وتسألُ القادةَ الفانين كيف نسوا
والضَّعفُ ينخرُ فيهم أنَّهم بشرُ؟
وأنَّ مقبرةَ الطُّغيانِ مُوحشـةٌ
مِن فوقِها حجرٌ، من تحتها حجر)
س: والسُّقوط؟
ج:
(وقال بيدبا:
سألتَني عن السُّقوط مرَّةً
فإنْ تكنْ لا زلتَ مُصغيًا إليّ
أيُّها الملك
ها أنذا أقول لك
يسقطُ بعضُهم
لأنَّه يَرى ولا يُرى
ويسقطُ البعضُ..
لأنَّه يسيرُ القَهقرى
وشرُّ أنواع السّقوطِ مرضًا
هو السُّقوطُ في الرِّضا)
س: والمجدُ العربيُّ؟
ج:
(يا سيّدي..
تَعْلَمُ أنْ كان لنا مجدٌ وضيَّعناه
بَنيتَه أنتَ، وهَدَّمْناه
واليومَ ها نحن!
أجل يا سيّدي
نرفلُ في سَقْطتِنا العظيمة
كأنَّنا شواهد قديمة
تعيشُ عُمْرَها لكي تُؤَرِّخَ الهَزيمة


لا جمرَ في عِظامِنا ولا رمادْ
لا ثلجَ لا سوادْ
لا الكفرُ كلُّه ولا العباده
الضَّعفُ والذِّلّةُ عادَهْ
يا سيّدي..
عَلّمْتَنا الحبّ
فعلِّمْنا تَمَرُّدَ الإراده


ابكِ لنا
وادعُ لنا
فالعصرُ في داخلنا جدار
إن لم نُهَدِّمْه
فلن يغسلَنا ضوءُ النّهار)
س: وأنتَ كشاعر؟
ج:
(وأنا شاعر
ماذا أملكُ إلَّا أنْ أَجْتَرَّ عذاباتِ النّاس
أرثي الأمواتَ وأبكيهم
“مات فلانٌ – يرحمه الله – كان يفيضُ حياة…
كانت عيناه طيّبتينِ بغيرِ ألم
كانت قدماه حافيتينِ بلونِ الدّم
ما مشتا يومًا لخطيئة
يرحمه الله…”
وأنا شاعر
أعلمُ أنَّ فُلانًا يرحمُه الله
مات َكما عاش بغير ثمن
يحلمُ بالجنّة، وهي وطن
دميتْ فوق الأشواكِ خُطاه
“يرحمه الله..”


لو كان يُطَهِّرُني النّسيان
لو أنّي أحملُ في صدري حَجَرًا
لو أنَّ الخافقَ في صدري قطعةُ فولاذ
لَنَسِيتُ
لَمَزَّقتُ الصَّفحاتِ السّوداء


لو كان يُطَهّرني الغفران
لبكيت
ولكنّي شاعر
أظلمَ عينيه بريقُ العصر)
س: وسيفُك؟
ج:
(صناعتي الكلام
سيفي قلمي
وكلُّ ثَروتي شعورٌ ونَغَمْ
ولستُ واحدًا مِن أنبياءِ العصر
لستُ مِن فُرسانِه الذين يحملون رايات النّضال
أو يخطّون مصائرَ الأُمَم)
س: وهواك لمن تمنحه؟
ج:
(لكن لي هوًى يكبرُ كلّما أكبر
لم أمنحْه مرّةً لملكٍ مُتَوَّج
ولم أُمَرِّغْ وَجنَتيهِ فوق أعتابِ صَنَم)
س: والفن؟
ج:
(يا خالقَ الإنسانِ مِن طِينةٍ
وخالقَ الفنّانِ من طِينة
عذَّبْتَني بالفنّ
عذَّبتني بهذه النّار السَّماويّة
لسوف ألقاكَ غدًا صارخًا بكلّ ما فيّ مِن اللّوعه
لم تُشْقِني دَمامتي في الورى
لم تُشْقِني… إلَّا حساسيّتي…
أدعوكَ لا تُشْقِ بها كائنًا بعدي
فهذه النَّارُ مِن قِسمتي…
رضيتُ أن أفنى على وَهْجِها…
لكي يعيشَ الفنُّ في مُهجتي)
س: والعشق، أين هو في حياتك؟
ج:
(أريدُ أن أعشقَ… أن ألمسَ الأعماق..
أن ألمسَ أعماقي…
أن أعبدَ اللهَ كما لم أعبده
في عمري الباقي
بي ظمأٌ… بي ظمأٌ قاتل
فأين ينبوعُكَ يا ساقي!


آه للبئرِ إذا لم تطلعِ الشّمسُ على قاعه!
وآهِ لي لو لم يُعانِقْ دمي كَرْمَتها!
كرمة أحلامها…
وآه لي لو لم يذوّب فمي
هذا الجفاف الضّخم… في جامها)
س: وماذا لو وجدتَ الحبيبة؟
ج:
(لو كان لي لَجَعَلْتُ وجهَكِ مَعبدي
ولَكنتُ أوقفْتُ الجَمالَ عليك
وسَكبتُ شِعري شمعةً ذهبيّةً
أبدًا مُحَدِّقةً إلى عينيك
فَلأنتِ أروعُ من عَشِقُتُ… وربّما
سَجَدَتْ صباباتي على قدميك
يا فتنةَ العُشَّاقِ.. يا ماريّتي
أنا مَن رآكِ وغابَ في شفتيكِ
أنا مَن يُعَذِّبُه الجَمالُ وطالما
عصفَ الجمالُ به… فعاد إليكِ
فتَقَبَّلِيني مثلما أنا شاعرٌ
يتعلَّمُ النّسيانَ بين يديكِ)
س: قَلَقٌ وشكٌّ وضَياعٌ، وصوفيٌّ مُتعلّقٌ بشيخه، أنت، يريد أن يعرف، أن يتذوَّق التَّجربة!
ج:
(شَحُبَتْ روحي، صارت شَفَقًا
شعّت غيمًا وسَنا
كالدّرويش المُتَعلِّقِ قي قَدَمَيْ مولاه أنا
أتمرَّغُ في شَجَني
أتوهَّجُ في بَدَني
غَيري أعمى، مهما أصغى، لن يُبصِرَني
فأنا جسدٌ.. حجرٌ
شيءٌ عبرَ الشّارع
جزرٌ غَرقى في قاعِ البحر
حريقٌ في الزَّمنِ الضَّائعِ
قنديلٌ زيتيٌّ مَبهوت
في أقصى بيتٍ في بيروت
أتألَّقُ حينًا ثمَّ أُرَنِّقُ ثمّ أموت


وَيحي وأنا أتلعثمُ نحوَكَ يا مولاي
أُجَسِّدُ أحزاني
أتجرَّدُ فيك
هل أنت أنا؟
يدُكَ المَمدودةُ أم يدي المَمدودة؟
صوتُكَ أم صوتي؟
تَبكيني أم أبكيكْ؟


في حَضرةِ مَن أهوى
عَبَثَتْ بي الأشواق
حَدَّقْتُ بلا وجهٍ
ورقصتُ بلا ساق
وزَحَمتُ براياتي
وطبولي الآفاق
عشقي يُفني عشقي
وفنائي استغراق
مملوكُكَ.. لكنّي
سلطان العشاق)
س: الطّفل الفلسطينيّ، ماذا يعني لك اليوم؟
ج:
(ليس طفلًا، ذلك الخارجُ من أزمنة الموتى
إلهيّ الإشاره
ليس طفلًا وحجاره
ليس شمسًا من نُحاسٍ ورماد
ليس طوقًا حول أعناق الطّواويس
مُحَلَّى بالسّواد
إنَّه طقسُ حَضارة
إنّه إيقاعُ شعبٍ وبلادْ
إنَّه العصرُ يُغَطِّي عُرْيَه
في ظلِّ موسيقا الحداد
ليس طفلًا، ذلك الخارجُ
من قُبَّعةِ الحاخام
من قوسِ الهزائم
ليس طفلًا وتمائم)
س: مَن هو إذًا؟
ج:
(إنَّه العَدلُ الّذي يكبرُ في صمتِ الجرائم
إنّه التّاريخُ مسقوفًا بأزهارِ الجماجم
إنَّه روحُ فلسطينَ المُقاوِم
إنّه الأرضُ الَّتي لم تَخُنِ الأرض
وخانَتها الطذَرابيشُ
وخانَتْها العمائم
إنّه الحقُّ الّذي لم يَخُنِ الحقّ
وخانَتْه الحكوماتُ
وخانَتْه المحاكم)
س: والعرب اليوم؟
ج:
(والعربُ حيث تركتَ العربَ
رايتُهم ألفٌ وأُمَّتُهم في أرضِها أُمَمُ
سُدًى تدورُ رَحاهم.. أينما ذهبوا
تراكموا واستُبِيحَتْ منهم الحُرُمُ
مُهَمَّشون، يَتامى العصر، ليس لهم
من حفلةِ النَّصرِ إلّا العِيُّ والصَّمَمُ
يستمطرونَ سَحابًا ليس يُمطـرُ مظلومًا
ويبسطُ كَفَّيْه لمن ظلموا
أولاءِ هم سادةُ الدُّنيا القديمــة
والدُّنيا القديمةُ مهما ازيّنتْ حُلُمُ)
س: والكلمة؟
ج:
(تقول لي يا دبشليم
وابتسامةُ الغضب
تَنْصَبُّ ما بيني وبينك
جسرًا من لهب
أطبقْ فَمَكْ
حكمةُ هذا العصر أن تطبقَ عينيك
طويلًا وفمَكْ
يا دبشليم، الحقُّ صوتُ الله
وكلمةُ الحقِّ هي الحياة
فلا تضق ذرعا
إذا تحرّكَتْ بها الشّفاه)
س: والالتزام؟
ج:
(أكتب عن عصرِكَ كيف انطفأت
روعتُه وكيف
تعرجُ ساقاه، وتهرمان
كلّ لحظة تحت ثلوج الزَّيف
أكتب عن عصرك
قال بيدبا، والسيفُ يبكي في عناقِ السّيف
وباطل عصرك، ناره سجينة
وشمسه غريقة
والشِّعرُ وحده هو الإنسانُ والحقيقة)
س: منذ بضع سنوات، أتيح لك أن تقوم بزيارة المملكة، والوقوف عند ضريح الرّسول عليه الصلاة والسّلام، ترى بماذا دعوت الله حينذاك؟
ج: قلت:
(قوافل يا سيّدي قلوبُنا إليك
تحجُّ كلَّ عامْ
هياكل مُثقَلَةٌ بالوَجدِ والهِيامْ
تسجدُ عند عتباتِ البيت والمقام
تُقرِئُكَ السّلام
يا سيدي
عليك أفضلُ السّلامْ


على الرُّفاتِ النّبويّ كلّ ذرة عمود من ضياء
منتصب من قبة الضريح
حتى قبة السماء
على المهابة التي
تخفض دون قدرك الجباه
راسمة على مداد الأفق أفقًا عاليا
من الأكُفِّ والشِّفاه
يموجُ باسم الله:
الحمد لك
والشكر لك
والمجد لك
والملك لك
يا واهب النعمةِ يا مَليكَ كلِّ مَن مَلَكْ
لبَّيكَ لا شريكّ لك
لبّيك لا شريك لك


يا سيّدي عليكَ أفضلُ السّلام
من أُمَّةٍ مُضاعه
خاسرة البضاعه
تقذفُها حضارةُ الخرابِ والظلام
إليك كلَّ عام
لعلَّها أن تجدَ الشّفاعه
لشَمسِها العمياء في الظّلام)
س: ما سبب هذا الضياع برأيك؟
ج:
(يا سيّدي
منذ رَدَمْنا البحرَ بالسّدود
وانتصبتْ ما بيننا وبينك الحدود
متنا..
وداست فوقنا ماشيةُ اليهود
يا سيّدي
تَعْلَمُ أنْ كان لنا مجدٌ وضَيَّعناه
بَنَيْتَه أنتَ، وهدّمناه
واليوم ها نحن
أجل يا سيّدي
نرفلُ في سقطتنا العظيمه
كأنَّنا شواهد قديمه
تعيشُ عُمرَها
لكي تؤرّخَ الهزيمة!
لا جمرَ في عظامِنا ولا رماد
لا ثلجَ لا سواد
لا الكفرُ كلُّه ولا العبادة
الضَّعفُ والذّلّةُ عادة
يا سيّدي
علّمتَنا الحبّ
فعلّمنا تمرّد الإرادة


ابكِ لنا
وادعُ لنا
فالعصرُ في داخلِنا جدار
إن لم نُهَدِّمْهُ
فلن يغسلَنا النَّهار)
قلت: ونحن ندعو الله معكَ أن يُعَلِّمَنا تمرّدَ الإرادة علَّنا نؤرخ الانتصارَ يومًا بدل الهزيمة.

غريد الشيخ
WRITTEN BY

غريد الشيخ

غريد الشيخ محمد كاتبةٌ لبنانيَّةٌ، وصاحبةُ "دار النخبة للتأليف والترجمة والنشر" في بيروت. هي أوُّلُ امرأةٍ تضع معجمًا لغويًّا وهو «المعجم في اللغة والنحو والصرف والمصطلحات».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *