حوار مُتَخَيَّل مع أحمد شوقي

130
0

بقلم: غريد الشّيخ محمّد

(إلامَ الخُلْفُ بَينَكُمُ إِلاما *** وَهَذي الضَّجَّةُ الكُبرى عَلاما
وَفِيمَ يَكِيدُ بَعْضُكُمُ لِبَعضٍ *** وَتُبْدُونَ العَداوَةَ والخِصاما)
تردّد البيتان على مسامعي عدّة مرّات ولا مَن يُجِيب… أحسستُ أن في هذين البيتين سؤالًا يعبّر عن ضمير كلّ لبنانيّ اليوم… إنَّها المرّة السّابعة التي تُؤَجَّلُ فيها جلسة انتخاب رئيس، وتذكّرت مع الأبيات قول نزار: (عفوًا فيروز لن تُقْرَع)، وأقول: عفوًا فيروز لن يُقرع جرس المجلس، لكن هل سَيُقرعُ يومًا؟ وهل سنبقى كريشة في مهبّ الرّياح الإقليميّة والدَّوليّة والأهواء الشّخصيّة؟
لبنان القرن الواحد والعشرين يغرقُ في ظلامٍ دامسٍ وفقر وجوعٍ، ونقص كبير في الخدمات الاجتماعية والصّحيّة والإنسانيّة، وسياسيّوه غارقون في الكيد لبعضهم، وفي التَّحاصص على الكراسي والمناصب…
سمعتُ صوته يردّد القصيدة كلّها، التي تُعَبِّرُ عن مصر في يوم من الأيام، لكنها تعبّر عنّا في كلّ يوم…
إنّه أمير الشُّعراء أحمد شوقي:
(إِلامَ الخُلْفُ بَيْنَكُمُ إِلاما *** وَهَذي الضَّجَّةُ الكُبرى عَلاما
وَفيمَ يَكِيدُ بَعضُكُمُ لِبَعْضٍ *** وَتُبْدُونَ العَداوَةَ والخِصاما
وَأَينَ الفَوزُ؟ لا مِصْرُ استَقَرَّت *** عَلى حالٍ ولا السُّودانُ داما
وَأَينَ ذَهَبتُمُ بِالحَقِّ لَمّا *** رَكِبتُم في قَضِيَّتِهِ الظَّلاما
لَقَد صارَت لَكُم حُكمًا وَغُنْمًا *** وكانَ شِعارُها المَوتَ الزُّؤاما
تَرامَيتُم فَقالَ النّاسُ: قَومٌ *** إِلى الخِذْلانِ أَمرُهُمُ تَرامى
وكانَت مِصرُ أَوَّلَ مَن أَصَبْتُم *** فَلَم تُحْصِ الجِراحَ وَلا الكِلاما
إِذا انْفَجَرَت عَلَينا الخَيْلُ مِنهُ *** رَكِبْنا الصَّمتَ أَو قُدْنا الكَلاما
فَأُبنا بِالتّخاذُلِ وَالتَّلاحي *** وَآبَ مِمّا ابتَغى مِنّا وَراما
وَلِينا الأَمرَ حِزبًا بَعدَ حِزبٍ *** فَلَم نَكُ مُصْلِحِينَ ولا كِراما
جَعَلْنا الحُكْمَ تَوْلِيَةً وَعَزْلًا *** وَلَم نَعدْ الجَزاءَ وَالانتِقاما
وَسُسْنا الأَمرَ حينَ خَلا إِلَينا *** بِأَهواءِ النّفوسِ فَما استَقاما)
قلتُ: هذا لسان حالُ أحزابنا وسياسيّينا:
(وَلِينا الأَمرَ حِزبًا بَعدَ حِزبٍ *** فَلَم نَكُ مُصْلِحينَ ولا كِراما)
قال: إنَّ تَخاذُلَ الحُكّامِ ظلمٌ لشعوبهم، والسّياسة إذا اتّبعت أهواءَ النّفوس فإنها لا تستقيم أبدًا.
قلت: هذه حالنا منذ سنوات، لا أمن… لا استقرار… على كلّ حال، هذا وضعٌ تَعَوّدْنا عليه منذ زمن، وأنا متأكّدة من أن السَّبب الحقيقي يكمنُ فينا نحن: الشَّعب، لأنَّنا نحن الذين نتكاسل في المطالبة بحقوقنا، فترانا نتهافت على صناديق الاقتراع عندما يريدون هم، ونركض إذا دعانا زعيم إلى التظاهر دون أن نحدّد ما نريد نحن.
آسفة… أنا في حضرةِ أمير الشُّعراء، وتكادُ همومُ الحاضر تُنْسِيني التّرحيب به والاستمتاع برفقته.
قال: لا عليكِ… كلُّنا في الهَمِّ شَرْقُ.
قلت: أمير الشُّعراء، لقد نشأت في ظلّ البيت الحاكم في مصر، و…
قال: نعم، ثمّ سافرت إلى فرنسا فتابعتُ دراسة الحقوق في “مونبلييه”، واطّلعت على الأدب الفرنسيّ وعدت إلى مصر فعُيِّنْتُ رئيسًا للقلم الإفرنجيّ في ديوان الخديوي عبّاس.
قلت: كتبتَ في أكثر فنون الشّعر: المديح، والرّثاء، والغَزَل، والوصف…
قال مقاطعًا: لكنَّني لم أنسَ القضايا الاجتماعيّة والسّياسيّة في مصر والعالَمَيْنِ العربيّ والإسلاميّ.
قلت: هذا صحيح، لكنّك في السّياسة لم تكن ذا رأي مستقلّ، بل كان رأيُكَ هو لسان حال القصر؛ الناطق بآماله ونواياه، والدّليل على ذلك أنك مِلْتِ إلى الأتراك يومها، لأنَّ القصرَ كان يُدافِعُ عن سياستهم، وآمنتَ بالقومية العثمانيّة.
قال: الأتراكُ مُسلمون…
قلت: لكنّهم احتلّوا البلاد العربية وكانت لهم معارك مع المسلمين والمسيحيين.
قال مقاطعًا: آمنتُ يومَها أن الأتراك هم الأحقّ بالبقاء في بلادنا، لأنهم إخواننا في الدين، وهم سبب الوحدة الإسلامية.
قلت: وظُلْمُ ذوي القربى أشدّ مضاضةً!!!
حسنًا.. لقد كتبتَ تُرَحِّبُ بالوحدة الإسلاميّة حين أخذ السّلطان عبد الحميد يدعو إليها ويهدّد دول الغرب بها.
قال: نعم لأنّ الوحدة الإسلامية قوة للمسلمين تُعيدُ لهم سالفَ مَجدِهم.
قلتُ: لذلك اعتبرتَ عهد عبد الحميد خير العهود على الرَّعِيَّةِ؟
قال: نعم، كان كذلك من وجهة نظري، اسمعي:
(شَرَفٌ باذِخٌ وَمُلْكٌ كَبيرٌ *** وَيَمينٌ بُسطٌ وَأَمرٌ جِسامُ
عُمَرٌ أَنتَ بَيْدَ أَنَّكَ ظِلٌّ *** لِلبَرايا وَعِصمَةٌ وَسَلامُ
ما تَتَوَّجْتَ بِالخِلافَةِ حَتّى *** تُوِّجَ البائِسونَ والأَيتامُ
وَسَرى الخِصبُ وَالنَماءُ وَوافى الـ *** بِشْرُ وَالظِّلُّ وَالجَنى والغَمامُ
أُمَّةُ التُّركِ وَالعِراقُ وَأَهلو *** هُ وَلُبنانُ وَالرُّبى وَالخِيامُ
عالَمٌ لَم يَكُن لِيُنظَمَ لَولا *** أَنَّكَ السِّلمُ وَسطَهُ وَالوِئامُ
أَيُّها النّافِرونَ عودوا إِلَينا *** وَلِجُوا البابَ إِنَّهُ الإِسلامُ
إِنَّ في “يَلدِز” الهَوى لَخِلالا *** أَنا صَبٌّ بِلُطفِها مُستَهامُ
قَد تَجَلَّت لِخَيرِ بَدرٍ أَقَلَّت *** في كَمالٍ بَدَت لَهُ أَعلامُ
فَالزَمِ التَمَّ أَيُّها البَدرُ دَومًا *** وَالزَمِ البَدرَ أَيُّهَذا التَّمام)

قلت: ورغم ما عندك من حبٍّ للأتراك وحنين للقسطنطينية، فإنّك حنينك دومًا إلى مكّة والمدينة.
قال: إنَّهما مهدُ النّبيّ المُصطفى وموطن الوحي، أنا أحبّ هذا النبيّ ودينه حبًّا عميقًا.
قلت: إن قصيدتك التي تعارض فيها بُردة البوصيري هي قصيدة رائعة، ومطلعُ قصيدة البوصيري:
(أَمِنْ تَذَكُّرِ جيرانٍ بذي سلمِ *** مزجت دمعًا جرى مِن مُقلةٍ بدمِ)
قال: أمّا مطلعُ قصيدتي فهو:
(ريمٌ على القاعِ بين البانِ والعَلَمِ *** أحلَّ سَفْكَ دمي في الأَشْهُرِ الحُرُمِ)
قلت: مع إعجابي الكبير بقصيدتك، فإنّ النّقاد يأخذون عليها أنها معارضة تقليديّة لبُردة البوصيري مع اتّكاءٍ واضحٍ في كثير من المواضع عليها؟
قال: لكلِّ شاعر أسلوبَه، نعم لقد تدفَّق الغزل عندي
قاطعتُه: ولكنك انتقلتَ إلى مخاطبة النَّفس ووعظها في بيان أحوال الدّنيا وتقلباتها لتصل إلى المدح.
قال: أحسنتِ، اسمعي ما أقول في “الهَمزيّة النّبوية” عن سيّد المُرسَلين:
(وُلِدَ الهُدى فَالكائِناتُ ضِياءُ *** وَفَمُ الزَّمانِ تَبَسُّمٌ وَثَناءُ
الرُّوحُ والمَلأُ المَلائِكُ حَوْلَهُ *** لِلدِّينِ والدُّنيا بِهِ بُشَراءُ
وَالعَرْشُ يَزْهو والحَظيرَةُ تَزدَهي *** والمُنتَهى والسِّدْرَةُ العَصْماءُ
والوَحْيُ يَقْطُرُ سَلسَلًا مِن سَلسَلٍ *** وَاللَّوحُ وَالقَلَمُ البَديعُ رُواءُ
داءُ الجَماعَةِ مِن أَرِسطاليسَ لَم *** يُوصَف لَهُ حَتّى أَتَيتَ دَواءُ
فَرَسَمْتَ بَعْدَكَ لِلعِبادِ حُكومةً *** لا سوقَةٌ فيها ولا أُمَراءُ
اللَهُ فَوقَ الخَلقِ فيها وَحدَهُ *** وَالنّاسُ تَحتَ لِوائِها أَكفاءُ
وَالدِّينُ يُسرٌ وَالخِلافَةُ بَيْعَةٌ *** وَالأَمرُ شورى وَالحُقوقُ قَضاءُ
الحَربُ في حَقٍّ لَدَيكَ شَريعَةٌ *** وَمِنَ السُّمومِ النّاقِعاتِ دَواءُ
وَالبِرُّ عِندَكَ ذِمَّةٌ وَفَريضَةٌ *** لا مِنَّةٌ مَمنونَةٌ وَجَباءُ
أَنصَفتَ أَهلَ الفَقرِ مِن أَهلِ الغِنى *** فَالكُلُّ في حَقِّ الحَياةِ سَواءُ
يا مَن لَهُ عِزُّ الشَّفاعَةِ وَحدَهُ *** وَهوَ المُنَزَّهُ ما لَهُ شُفَعاءُ
عَرشُ القِيامَةِ أَنتَ تَحتَ لِوائِهِ *** والحَوْضُ أَنتَ حِيالَهُ السَقاءُ
تَروي وَتَسقي الصّالِحينَ ثَوابَهُم *** والصّالِحاتُ ذَخائِرٌ وَجَزاءُ
أَنتَ الَّذي نَظَمَ البَرِيَّةَ دِينُهُ *** ماذا يَقولُ وَيَنظُمُ الشُّعَراءُ
ما جِئتُ بابَكَ مادِحًا بَل داعِيًا *** وَمِنَ المَديحِ تَضَرُّعٌ وَدُعاءُ
أَدعوكَ عَن قَومي الضّعافِ لأزمَةٍ *** في مِثلِها يُلقى عَلَيكَ رَجاءُ
صَلّى عَلَيكَ اللَهُ ما صَحِبَ الدُّجى *** حادٍ وَحَنَّت بِالفَلا وَجناءُ)

قلت: هو ملاذُنا دائمًا وأبدًا، حَدِّثْني عن المَنفى.
قال: أبعدني الإنكليز عن وطني، فاخترتُ الأندلس مقامًا لي… لقد شعرتُ بألم كبير لبعدي عن الوطن والأهل، وأيضًا لقلّة المال بين يديّ، لقد ضَيَّقَ المستعمرون عَلَيَّ.
قلت: لكن إقامتك في الأندلس غيّرت مسار تفكيرك، أليس كذلك؟
قال: نعم… لقد رأيت في ديار الأندلس آثار العرب، ففتح ذلك قلبي لحبّ العرب فسجّلت مآثرهم في شِعري.
قلت: ومن أهمِّ ما كتبت السّينيّة التي تعارض فيها سينية البحتري.
قال: لكنني أقفُ على الآثار العربية لا الفارسية.
قلت: حسنًا، ربّما لتعوّض عن مدحِكَ للأتراك ونسيانك، في فترة ما قبل المنفى، أن الحضارة العربية هي الأهمّ والأجدر بالفخر والاعتزاز.
قال مُبتسمًا: كما تريدين، اسمعي:
(اِختِلافُ النَّهارِ واللَّيلِ يُنسي *** اُذكُرا لِيَ الصِّبا، وَأَيّامَ أُنْسِي
وَصِفا لي مُلاوَةً مِن شَبابٍ *** صُوِّرَت مِن تَصَوُّراتٍ وَمَسِّ
وَسَلا مِصرَ هَل سَلا القَلبُ عَنها *** أَو أَسا جُرحَهُ الزّمانَ المُؤَسّي
كُلَّما مَرَّتِ اللَّيالي عَلَيهِ *** رَقَّ وَالعَهدُ في اللَّيالي تُقَسِّي
وَطَني لَو شُغِلْتُ بِالخُلدِ عَنهُ *** نازَعَتني إِلَيهِ في الخُلدِ نَفسي
وَهَفا بِالفُؤادِ في سَلْسَبيلٍ *** ظَمَأٌ لِلسَّوادِ مِن عَينِ شَمسِ
أَينَ مَروانُ في المَشارِقِ عَرشٌ *** أَمَوِيٌّ وَفي المَغارِبِ كُرسي
سَقِمَتْ شَمسُهُم فَرَدَّ عَلَيها *** نُورَها كُلُّ ثاقِبِ الرَّأيِ نَطْسِ
وَعَظَ البُحتُرِيَّ إيوانُ كِسرى *** وَشَفَتني القُصورُ مِن عَبدِ شَمسِ
نَقَّلوا الطَّرْفَ في نَضارَةِ آسٍ *** مِن نُقوشٍ وَفي عُصارَةِ وَرسِ
وَقِبابٍ مِن لازَوَرْدٍ وتِبْرٍ *** كَالرُّبى الشُّمِّ بَينَ ظِلٍّ وَشَمسِ
وَخُطوطٍ تَكَفَّلَت لِلمَعاني *** ولألفاظِها بِأَزيَن لبسِ
يا دِيارًا نَزَلتُ كَالخُلدِ ظِلًّا *** وَجَنًى دانِيًا وَسَلسالَ أُنسِ
مُحْسِناتِ الفُصولِ، لا ناجِرٌ فيـ *** ـها بِقَيظٍ وَلا جُمادى بِقَرسِ
لا تَحِشّ العُيونُ فَوقَ رُباها *** غَيرَ حُورٍ حُوِّ المَراشِفِ لُعْسِ
كُسِيَتْ أَفْرُخي بِظِلِّكِ ريشًا *** وَرَبا في رُباكِ وَاشتَدَّ غَرسي)

قلت: وعندما أُخْلِيَ سبيلُك ورجعت من المنفى استقبلك الشباب المثقّف وجمهور الناس استقبالًا حافلًا.
قال والدّموع في عينيه: وبادلتُهم الحبَّ حبًّا وشعرتُ بشعورهم… لقد أخذ حبُّ الوطن بشغاف قلبي فصار بمنزلة الشباب والدّين والكعبة:

(أُنادي الرَّسمَ لَو مَلَكَ الجَوابا *** وَأُجزيهِ بِدَمعِيَ لَو أَثابا
وَقَلَّ لِحَقِّهِ العَبَراتُ تَجري *** وَإِن كانَت سَوادَ القَلبِ ذابا
سَبَقْنَ مُقَبِّلاتِ التُّربِ عَنّي *** وأَدَّينَ التّحِيَّةَ والخِطابا
وَيا وَطَني لَقيتُكَ بَعدَ يَأسٍ *** كَأَنّي قَد لَقيتُ بِكَ الشّبابا
وكُلُّ مُسافِرٍ سَيَؤوبُ يَومًا *** إِذا رُزِقَ السّلامَةَ والإِيابا
شَبابَ النِّيلِ إِنَّ لَكُم لَصَوتًا *** مُلَبّى حينَ يُرفَعُ مُستَجاب)

قلت: الشباب هم الذين استقبلوك بعد المنفى، لكن باب القصر كان مُوصَدًا دونك.
قال: نعم، لكن الوطن بات أهمّ وأغلى عندي من كلّ قصور الأمراء والسَّلاطين، باتت أمانيُّ أمّتي وشجونها أقرب إلى نفسي وأعمق، وصرت أشعرُ أنني يجب أن أكون الصوت الناطق بآمال شعبي.
قلت: لقد أصبحت بالفعل كذلك، ولم تتوقّف عند آلام مصر وهمومها بل كتبت عن مصاب سوريا في ثورتها عام 1925.
قال: إنه مصاب الأمّة جمعاء.

(سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ *** وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ
وَمَعذِرَةُ اليَراعَةِ وَالقَوافي *** جَلالُ الرُّزءِ عَن وَصفٍ يَدِقُّ
لَحاها اللهُ أَنباءً تَوالَت *** عَلى سَمعِ الوَلِيِّ بِما يَشُقُّ
تَكادُ لِرَوعَةِ الأَحداثِ فيها *** تُخالُ مِنَ الخُرافَةِ وَهيَ صِدقُ
سَلي مَن راعَ غِيدَكِ بَعدَ وَهنٍ *** أَبَينَ فُؤادِهِ وَالصَّخرِ فَرقُ
وَلِلمُستَعمِرينَ وَإِن أَلانوا *** قُلوبٌ كَالحِجارَةِ لا تَرِقُّ
رَماكِ بِطَيشِهِ وَرَمى فَرَنسا *** أَخو حَربٍ بِهِ صَلَفٌ وَحُمقُ
دَمُ الثُوّارِ تَعرِفُهُ فَرَنسا *** وَتَعلَمُ أَنَّهُ نورٌ وَحَقُّ
وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ *** بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ
جَزاكُم ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ *** وَعِزُّ الشَّرقِ أَوَّلُهُ دِمَشقُ)

قلت: جميل… جميل هذا الإحساس بالآخر.
قال: إن القرابة بين أبناء الوطن العربي ليست بحاجة إلى برهان:

(قُم ناجِ جِلَّقَ وَانشُد رَسمَ مَن بانوا *** مَشَت عَلى الرَّسْمِ أَحداثٌ وَأَزمانُ
هَذا الأَديمُ كِتابٌ لا كِفاءَ لَهُ *** رَثُّ الصَّحائِفِ باقٍ مِنهُ عُنوانُ
بَنو أُمَيَّةَ لِلأَنباءِ ما فَتَحوا *** ولِلأَحاديثِ ما سادوا وَما دانوا
كانوا مُلوكًا سَريرُ الشَّرقِ تَحتَهُمُ *** فَهَل سَأَلتَ سَريرَ الغَربِ ما كانوا
عالينَ كَالشّمسِ في أَطرافِ دَولَتِها *** في كُلِّ ناحِيَةٍ مُلكٌ وَسُلطانُ
بِالأَمسِ قُمتُ عَلى الزّهراءِ أَندُبُهُم *** وَاليَومَ دَمعي عَلى الفَيحاءِ هَتّانُ
لَولا دِمَشقُ لَما كانَت طُلَيطِلَةٌ *** وَلا زَهَت بِبَني العَبّاسِ بَغدانُ
آمَنتُ بِاللَهِ وَاستَثنَيتُ جَنَّتَهُ *** دِمَشقُ روحٌ وَجَنّاتٌ وَرَيحانُ
يا فِتيَةَ الشَّامِ شُكرًا لا انقِضاءَ لَهُ *** لَو أَنَّ إِحسانَكُم يَجزيهِ شُكرانُ
ما فَوقَ راحاتِكُم يَومَ السَّماحِ يَدٌ *** ولا كَأَوطانِكُم في البِشرِ أَوطانُ
وَنَحنُ في الشَّرقِ وَالفُصحى بَنو رَحِمٍ *** وَنَحنُ في الجُرحِ وَالآلامِ إِخوانُ)

قلت: والتفتَّ إلى عالم الأطفال وكتبت الكثير من الشعر لهم، وكتبت قصائد على لسان الحيوان.
قال: نعم إنَّ الكتابة على لسان الحيوان ليست بالضرورة موجَّهة للطفل، فقد يستطيع الكبار أيضًا أن يأخذوا العبر من هذه القصائد.
ولكن اسمعي ما كتبته من شكوى على لسان طفل:

(لي جَدَّةٌ تَرأَفُ بي *** أَحنى عَلَيَّ مِن أَبي
وَكُلُّ شَيءٍ سَرَّني *** تَذهَبُ فيهِ مَذهَبي
إِن غَضِبَ الأَهلُ عَلَيـ *** ـي كُلُّهُم لَم تَغضَبِ
مَشى أَبي يَومًا إِلَيـ *** ـيَ مِشيَةَ المُؤَدِّبِ
غَضبانَ قَد هَدَّدَ بِالضَّر *** بِ وَإِن لَم يَضرِبِ
فَلَم أَجِد لِيَ مِنهُ غَيـ *** رَ جَدَّتي مِن مَهرَبِ
فَجَعَلَتْني خَلفَها *** أَنجو بِها وَأَختَبي
وَهيَ تَقولُ لأَبي *** بِلَهجَةِ المُؤَنِّبِ
وَيحٌ لَهُ وَيحٌ لِهَ *** ذا الوَلدِ المُعَذَّبِ
أَلَم تَكُن تَصنَعُ ما *** يَصنَعُ إِذا أَنتَ صَبي)

قلت: واهتممتَ أيضًا بالمرأة مُناديًا بتعليمها وحسن رعاية الأسرة.
قال: لقد قلت:

(وَإِذا النّساءُ نَشَأنَ في أُمِّيَّةٍ *** رَضَعَ الرّجالُ جَهالَةً وَخُمولا
لَيسَ اليَتيمُ مَنِ انتَهى أَبَواهُ مِن *** هَمِّ الحَياةِ وَخَلَّفاهُ ذَليلا
فَأَصابَ بِالدّنيا الحَكيمَةِ مِنهُما *** وَبِحُسنِ تَربِيَةِ الزّمانِ بَديلا
إِنَّ اليَتيمَ هُوَ الَّذي تَلقى لَهُ *** أُمًّا تَخَلَّت أَو أَبًا مَشغولا)

قلت: وقلت الغزل الرقيق الناعم.
قال: من لا يستطيع أن يكتب في الغزل فليس بشاعر.

(خَدَعوها بِقَولِهِم حَسناءُ *** وَالغَواني يَغُرُّهُنَّ الثَناءُ
أَتُراها تَناسَت اِسمِيَ لَمّا *** كَثُرَت في غَرامِها الأَسماءُ
إِن رَأَتني تَميلُ عَنّي كَأَن لَم *** تَكُ بَيني وَبَينَها أَشياءُ
نَظرَةٌ فَابتِسامَةٌ فَسَلامٌ *** فَكَلامٌ فَمَوعِدٌ فَلِقاءُ
يَومَ كُنّا وَلا تَسَلْ كَيفَ كُنّا *** نَتَهادى مِنَ الهَوى ما نَشاءُ
وَعَلَينا مِنَ العَفافِ رَقيبٌ *** تَعِبَت في مِراسِهِ الأَهواءُ
جاذَبَتني ثَوبي العَصِيَّ وَقالَت *** أَنتُمُ النّاسُ أَيُّها الشُّعَراءُ
فَاتَّقوا اللهَ في قُلوبِ العَذارى *** فَالعَذارى قُلوبُهُنَّ هَواءُ
نَظرَةٌ فَابتِسامَةٌ فَسَلامٌ *** فَكَلامٌ فَمَوعِدٌ فَلِقاءُ
فَفِراقٌ يَكونُ فيهِ دَواءٌ *** أَو فِراقٌ يَكونُ مِنهُ الدّاءُ)

قلت: سأسمعك الآن قصيدتك الرَّائعة (يا جارة الوادي) بصوت فيروز الملائكيّ.
قال بفرح: نعم صوت فيروز وألحان عبد الوهاب، إنها هدية رائعة منك.

(يا جارَةَ الوادي طَرِبتُ وَعاوَدَني *** ما يُشبِهُ الأَحلامَ مِن ذِكراكِ
مَثَّلتُ في الذِّكرى هَواكِ وَفي الكَرى *** والذّكرَياتُ صَدى السّنين الحاكي
وَلَقَد مَرَرتُ عَلى الرّياضِ بِرَبوَةٍ *** غَنّاءَ كُنتُ حِيالَها أَلقاكِ
ضَحِكَت إِلَيَّ وُجوهُها وَعُيونُها *** وَوَجَدتُ في أَنفاسِها رَيّاكِ
فَذَهبتُ في الأَيّامِ أَذكُرُ رَفرَفًا *** بَينَ الجَداوِلِ وَالعُيونِ حَواكِ
أَذَكَرتِ هَروَلَةَ الصّبابَةِ وَالهَوى *** لَمّا خَطَرتِ يُقَبِّلانِ خُطاكِ
لَم أَدرِ ما طيبُ العِناقِ عَلى الهَوى *** حَتّى تَرَفَّقَ ساعِدي فَطواكِ
وَتَأَوَّدَت أَعطافُ بانِكِ في يَدي *** وَاحمَرَّ مِن خَفرَيهِما خَدّاكِ
وَدَخَلتُ في لَيلَينِ فَرعِكِ وَالدُّجى *** وَلَثَمتُ كَالصُّبحِ المُنَوِّرِ فاكِ
وَوَجدتُ في كُنهِ الجَوانِحِ نَشوَةً *** مِن طيبِ فيكِ وَمِن سُلافِ لَماكِ
وَتَعَطَّلَت لُغَةُ الكَلامِ وَخاطَبَت *** عَينَيَّ في لُغَةِ الهَوى عَيناكِ
وَمَحَوتُ كُلَّ لُبانَةٍ مِن خاطِري *** وَنَسيتُ كُلَّ تَعاتُبٍ وَتَشاكي
لا أَمسِ مِن عُمرِ الزّمانِ وَلا غَدٌ *** جُمِعَ الزّمانُ فَكانَ يَومَ رِضاكِ)

غريد الشيخ
WRITTEN BY

غريد الشيخ

غريد الشيخ محمد كاتبةٌ لبنانيَّةٌ، وصاحبةُ "دار النخبة للتأليف والترجمة والنشر" في بيروت. هي أوُّلُ امرأةٍ تضع معجمًا لغويًّا وهو «المعجم في اللغة والنحو والصرف والمصطلحات».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *