قراءة في رواية “مولوية عشق” للكاتبة: انتصار منصور العقيل

91
0

بقلم: غريد الشيخ محمد

تصميم الغلاف: غريد جحا
تصميم الغلاف: غريد جحا

رواية “مولوية عشق” للكاتبة انتصار العقيل تستند إلى رحلة البحث عن الذّات والتّحرر من القيود الاجتماعية والنَّفسية.
بأسلوب مميّز سلس، ولغة عاطفيّة عميقة، تأخذنا الكاتبة لتعرّفنا إلى قصّة بطلتها (سيمازا) الّتي تعاني من ظلم المجتمع لها والزواج من رجل لا يشبهها، ثم تحدّثنا عن تجارب الحب والخيانة والفراق التي عاشتها، وتنقلنا في الجزء الثاني بلغة شاعرية مليئة بالرّموز الرّوحيّة والصّوفية لتعرّفنا إلى التغيرات الّتي غيّرت شخصية البطلة فتحولت إلى إنسانة إيجابية وتخلّصت من كلّ ما علقَ في نفسها من أحزان، وكلمة “مولوية” الّذي أطلقته الكاتبة على روايتها تشير إلى الرّقص المنسوب إلى جلال الدّين الرّومي، حيث يستمر الرّقص الدّائريّ لساعات طويلة ويدور الرّاقصون حول مركز الدّائرة التي يقف فيها الشّيخ ويندمجون في مشاعر روحيّة سامية ترقى بنفوسهم إلى مرتبة الصّفاء الرّوحيّ، وهو ما يعكس طريقة سيمازا في التعامل مع حياتها وعواطفها، والرحلة الرّوحية التي تقود الشخص إلى إعادة اكتشاف الذّات والوجود.
في الجزء الأول (سيمازا) نتعرّف إلى الشَّخصية الرَّئيسيّة (سيمازا)، صاحبة الاسم الشّركسيّ الّذي اختارته والدتها الشَّركسيّة الآتية من (الجولان)، تقول سيمازا في بداية قصتها: “اسم سيمازا يعني (يا قمري) باللّغة الشّركسية”. وقد تزوّجت أمّها من أبيها عندما كان برحلة عمل إلى الشَّام مع صاحب المزرعة الّتي يعمل بها في منطقة (الخَرْج) التي تقع جنوب شرق الرّياض وتبعد عنها ما يقارب سبعين كيلومترًا.
تصف سيمازا حياتها في “الخَرْج” الّتي وُلدت وترعرت فيها، مع عائلتها الصّغيرة الّتي تتألف من والدها المزارع وأمّها وإخوتها الصبيان الثلاثة، بأنها حياة سعيدة رغم فقر العائلة، كما تتوسّع بوصف مدينتها بفخر فتقول: “ولدتُ في مدينة (الخَرْج) الّتي يعني اسمها: الغَلَّة الّتي تخرج من الأرض، فقد قال تعالى: {أم تسألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خيرٌ وهو خير الرّازقين}، والخَراج هو ما ينطبق على مدينة “الخَرج”، فهي منطقة زراعيّة منذ أقدم العصور، تميّزت بخصوبة أراضيها وعذوبة مياه ينابيعها الطبيعية”.
وتبرّر رضا أهل أمّها بتزويج ابنتهم من أبيها الغريب، فتقول: “لم يكن يُتْمُ أمّي من أبويها هو السّبب الّذي جعل عمّها المسؤولَ عن أُسرة كبيرة يوافق على زواجها من أبي، فقد قرأ الرَّجلُ الإيمانَ على وجه أبي واللّطف الذي جعله يطمئنّ إلى أنّ ابنة أخيه الشَّابّة ستجدُ فيه زوجًا صالحًا بالإضافة إلى إقامتها في بلد فيها أرض الرّسول صلى الله عليه وسلم، الأرض التي يعتبرها الشّراكسة المسلمون الذين هُجّروا من شمال القوقاز لاعتناقهم الدّين الإسلامي، أرضًا يحلمون بزيارتها للتَّبَرُّك، فكيف الإقامةُ بها أو بالقرب منها. هذه النَّزعة الإيمانية الّتي يتّصف بها قوم أمي شجّعت الجميع وشجّعتها هي أيضًا على الانتقال قاطعة المسافات إلى السَّكن في السّعودية أرض الحرمين الشَّريفين”.
وتصف منزل طفولتها ولمسات أمّها الشّركسيّة الّتي ترَبَّت منذ صغرها كغيرها من بنات جنسها اللّواتي يتعملن منذ صغرهن تجميل بيوتهن وخياطة وتطريز لباسهن ولباس عائلتهن وإتقان كلّ ما يتعلّق بالصّناعات والفنون النّسوية حتّى ليتكامل جمال الواحدة منهن وجمال بيتها مع أناقتها وأناقة بيتها ما يميّزها عن غيرها؛ وهذا ما تحرص السّيدات الشركسيات عادة على نقله إلى بناتهن بكل دقّة”.
تقول (سيمازا): “رغم بساطة بيتنا، استطاعت أمّي بلمساتها المبدعة أن تجعله كحديقة أو معرض لنباتات الظّلّ والزّهور؛ فقد ملأت صالة الجلوس بأحواض مختلفة الأحجام والألوان، وحرصت أن تزرع في كلِّ حوض نبتةً مختلفة عن الأُخرى، ما أكسبَ المكان جمال الطّبيعة الأخّاذ النّابض بالحياة.
أما من الخارج، فقد ثبَّتت على النّوافذ أحواضًا مستطيلة كبيرة الحجم زرعت في بعضها نبتة “الخبّيزة” أو “الجورانيم” بوردها الأحمر، وفي البعض الآخر نبتة “المَحْكَمة” الّتي طالما جذبتنا لمراقبتها وهي تفتح أوراقها صباحًا وتغلقها ليلًا كأنّها تَزدهي بكنوزها الخبيئة كلّ يوم، لا تكلّ ولا تملُّ مثلنا نحن الأطفال الَّذين نهرع إليها صباح مساء باحثين عن سرّ النّوم واليقظة.
على جانبي مدخل البيت، بنى أبي – نزولًا عند رغبة أمي – حوضين واسعين زرعت في كل منهما شجرة “ياسمين” ارتفعت أغصانها عاليًا، فتسلّقت الشَّجرتان الجدار الخارجي إلى أن بلغتا سطح البيت، فالتفَّتا حوله فأضحت زهورهما ذوات اللَّونين الأبيض والزّهريّ كتاج يزيّن رأس عروس، أمّا المكرميات المطليّة بألوان قوس القزح، فزرعت أمّي فيها نبتة “مسبحة العابد” الّتي تدلّت من أماكن متعدّدة بارتفاعات مُتفاوتة.
أشجار “الجهنمية” بكل ألوان زهورها المختلفة، انتشرت حول البيت فغطّت معظم جدرانه الخارجيّة”.
كما تذكر الكاتبة على لسان بطلتها بعض أصناف المأكولات الشَّركسيّة الّتي لم تفارق مائدتهم أبدًا (الحَلُّفة، الشّبسي باستة، الشبسي داغ) وتذكر مكوّنات هذه الأطباق.
وفي الثالثة عشر من عمرها برز جمالها فصارت محطّ الأنظار، تقول: “جمالي هو خليط من ملامح أمي الّتي تنحدر من أصول شركسيّة وملامح أبي الّذي ينحدر من أصول باكستانية.
كان والد جدّي قد جاء من “الباكستان” للحجّ لكنه لم يغادر البلاد، فقد استطاع بسهولة أن يحصل على الجنسية السعودية بدون أي جهد، ففي بداية تأسيس الدولة كان تجنيس الأجانب أمرًا مُيَّسرًا”.
وتتساءل الكاتبة (انتصار العقيل) على لسان البطلة عن الأسباب التي تمنع المملكة العربية السّعودية من إعطاء الجنسية السّعوديّة لمن يستحقّها، تقول البطلة: “كنت وما زلت أتساءل بيني وبين نفسي: ألم تستقطب أمريكا – وما زالت– العقول المميّزة من أنحاء العالم فصنعت حضارتها وقوّتها من خلال هؤلاء المميزين!؟ فلماذا لم نفعل ولا نفعل مثلها خاصّة مع علماء العرب الّذين هاجروا وفرّوا من أوطانهم – وما زالوا– في السابق خوفًا على حياتهم من بطش الحكّام، وحاليًّا من الثورات والإطاحة بالحكّام؟ لماذا نحصر ثرواتنا بالبترول فقط ولا نوسّعها ونجعلها ثروة لا تنضب، ثروة في استقطاب العقول المميزة العربية وسَعْوَدَتها!؟”
لعب الوطن دورًا حيويًّا في تشكيل هويّة سيمازا وعلاقتها بذاتها، فهو يمثّل بالنّسبة إليها الحنين العميق للاستقرار والهُوِيّة، وهو المحور الَّذي تسعى إليه في رحلتها نحو تحقيق الذات. الرواية تستكشف مفهوم الوطن بشكل يتجاوز الحدود الجغرافيّة ليصبحَ رمزًا لكلّ ما هو أصيل وحقيقي في حياة الشّخص، وهو ما يجعل العودة إليه ضرورية لتحرر الشّخصية من قيود الماضي والحاضر.
أما العقدة في الرواية فهي زواج سيمازا من ابن عمّ صاحب المزرعة التي يعمل والدها فيها، واسمه (مشاري) والّذي يكبرها بسنوات، وكان زواجه منها أشبه بعقد صفقة، رجل غني يشتري فتاة تصغره بسنوات مقابل بعض المال والهدايا لأهلها، وتبدأ رحلتها معه بالعذاب والقهر، اختلاف بالعقلية وبالعادات والتقاليد، ويحاول مشاري أن يصنع منها امرأة أخرى، امرأة تناسب وضعه الاجتماعي، ومنعها من زيارة أهلها في القرية، وبعد ثلاث سنوات أنجبت ابنها الوحيد وفي الفترة نفسها أصيبت أمها بسرطان في الرئة مما جعلها تترك ابنها في البيت مع المربّية وتبقى مع أمها في المشفى، تقول سيمازا عن أمّها وهي تعاني سكرات الموت: “كانت تفتح عينيها فجأة، بصوت ضعيف تطلبُ وتُصِرُّ على أن تُسرج الحصان وتعود عليه إلى بيتها في “الجولان”، والّذي لم يمرّ يوم من دون أن تذكره لنا أو تحنّ إليه، حيث كان خيرُ الأرض يتدفّق وكان القوم كبارًا وصغارًا يعيشون مزارعين مَهَرة وفرسانًا طُرِدوا من وطنهم الأم في شمال القفقاس، فصار (الجولان) لهم وطنًا بديلًا لم يُنْسِهم وطنهم الأم الذي سرقه الرّوس منهم لموقعه الاستراتيجيّ الغني”.
تمرّر الكاتبة (انتصار العقيل) عدّة رسائل عن الوطن على لسان بطلتها التي تقول: “كيف يقتلع الإنسان من أرضه ويُرمى بعيدًا عنها بكلّ هذه الجلافة والصّلافة؟
اقتُلِعت أمي مرّتين من الأرض: من القفقاس والجولان، تمامًا كما اقتُلِعْتُ أنا من بيتي…
ولكن…
وبينما تُصِرُّ على العودة الآن على حصانها الّذي كانت – ككلّ نساء الشَّراكسة – تجيد ركوبه، أفكّر: أن لا أحد أبدًا يستطيع أن يأخذ منّا وطننا وأرضنا، لأن الوطن يعيش فينا ونعود إليه متى شئنا على حصان الرغبة القوي، حتى لو كان حصان الموت.
ها هي أمي تُسرج حصانها لتعود إلى هناك”.
وماتت أمّها بعد عذاب طويل، حاولت أن لا تبكي أمامها طوال فترة مرضها، فهي تتذكّر جيّدًا المثل الشركسيّ الّذي كانت أمّها تردّده: (لا تتأوّه تحت السّيف)، وبموت أمها مات جزء كبير منها، تقول: “الأم كالوطن، لا يموتان أبدًا، بل ينهضان بشموخ في اللَّحظة المناسبة ويسمعاننا صوتيهما الجهوريّ”.
وبعد وفاة أمّها بفترة قصيرة تزوّج والدها بِحُجَّة أنّه يريد مَن تخدمه، ففقدت رغبتها في زيارة بيتها في الخَرْج، وتذكّرت الأمثال الشَّركسية الّتي كانت أمّها تردّدها: “كلّ بيت ليس فيه أمّك ليس بيتك”، و”كلُّ باب لا تفتحه أمّك لا يؤدّي إلى بيتك”.
وتكمل سيمازا حياتها مع زوجها الّذي يعيش حياة عبثيّة ما بين سُكر وعربدة وتطرح عدّة قضايا من خلال حوارها معه، كيف يدخل الخمر وهو ممنوع؟ وكيف يتوفّر عند فئة من المجتمع بهذه الكميات، ويُسجن ويُجلد مواطن ليس له ظهر إذا ثبت أنّ في حوزته زجاجة خمر واحدة ابتاعها بمبلغ باهظ!؟ مَن هم القادرون على إدخالها إلى البلد بهذه الكميات الهائلة؟ من يتربّح منها المليارات من دون رقابة أو محاسبة!؟
وكان يُجيبها باستخفاف رافعًا أنفه عاليًا وناظرًا إليها نظرته الفوقية ذاتها التي قلّما رأت غيرها في عينيه: يجب أن تعلمي أن الله خلقَ وفَرَّق… البشر طبقات ومستويات.
فتجيبه بتحدٍّ: ولكن الجميع مواطنون، والقانون يجب أن يسري ويطبّق على الجميع.
فيقول بحدَّة: القانون وضع لفئة معيّنة؛ والمواطنون منهم درجة أولى لا يمسّهم القانون ومنهم درجة عاشرة يسحقهم القانون. هذه سُنَّة الحياة، فهل تريدين أن يتساوى الأمير والوزير مع الخفير وسائق الحمير!؟
وتبدأ سيمازا بالتمرد وعدم الانصياع للأعراف الاجتماعية التي يفرضها زوجها عليها، وتحاول البحث عن الحرية الدّاخلية، في بداية الثلاثين بدأت الهروب العاطفي من عالم “مشاري”، فغرقتْ في الأفلام والكتب الرومانسية، لكن مع نهاية الثلاثين، أصبحت أكثر نضجًا، لم تعد تبحث عن الحب لتتبادله مع شخص آخر، بل أصبحت تبحث عن الحب لتتبادله مع نفسها، أرادت أن تحبّ نفسها، أن تعيد تأهيلها لحياة أفضل، أن تكتشفها لتعيد ثقتها بذاتها.
عندما صار ابنها الوحيد (زيد) في السابعة عشر من عمره صار يدخّن ويشرب متمثّلًا بأبيه، مما جعلها تفقد أعصابها وتصفعه فتدخّل الأب وذكّرها بعائلتها وكذلك عيّرها ابنها بعائلتها الفقيرة ووالدها المزارع، وهنا جُنَّ جنونها وأخبرته بتاريخ والده الوَسخ، وقررت أن تترك كلّ شيء وترحل.
وكانت وجهتها بيروت التي زارتها من قبل وتوجهت إلى منطقة دير القمر في منطقة الشوف والتي زارتها مرّة، ولكنها أرادت أن تترك نفسها بحرّيتها فتوجَّهت صوبَ النّهر عند ملتقى النّهرين ونزعت حذائها وجلست بمحاذاة ضفته… وبدأت تدعو الله أن يساعدها وبالفعل تقدّم رجل عجوز منها وعرض عليها أن ترافقه إلى الكوخ فهو يعيش مع زوجته لوحدهما بعد أن تركتهما ابنتهما الوحيدة وذهبت خطيفة مع حبيبها.
وصلت إلى دير القمر ونزلت في أحد فنادق البلدة في أعلى الجبل، وقررت أن تُخيط ملابس للأطفال تطرّزها بالزهور والفراشات والطيور… ملابس صمّمَتْها من وحي الطبيعة بألوانها ومخلوقاتها الأليفة. ومع نهاية الأسبوع الثاني توجَّهت يوم الأحد إلى ساحة القرية، حيث يكثر السوّاح، جلست القرفصاء على الرصيف، ورتّبت ملابس الأطفال أمامها على مفرش، عرضت منها نموذجين بعد أن حشتهما بالقشّ، فبدوا كطفلين يعرضان للمارة ملابسهما.
من البداية قرّرتْ أن تتبعَ في تجارتها مبدأ الربح القليل والبيع الكثير، بعد الظهيرة استطاعت أن تبيع كل ما خاطته من ملابس إضافة إلى حصولها على طلبات عديدة لتنفيذها للأسبوع القادم.
عرفها سكان القرية وتعاونوا معها، حتى إن السيد “حنا” صاحب متجر لألعاب الأطفال بعد فترة أهداها طاولة كي تعرض بضاعتها عليها وكرسيًّا لتجلس عليه، طالبًا منها أن تنتقل إلى أمام متجره، فيبيع هو ألعاب الأطفال وهي تبيع ملابسهم، ما يعني أن تجارتيهما لا تتعارضان معًا بل تتكاملان.
أتى الشتاء فعرض عليها السيد حنا أن تترك بضاعتها عنده في المحل فيبيعها لها ويأخذ نسبة، ففرحت بهذا العرض فكانت تقضي وقتها في الفندق تعمل وتمارس رياضة المشي في الطبيعة التي تحبها.
بعد شهر من إقامتها في الفندق زار الفندق صحفيّ في العقد الخامس من عمره، مثقف ومعروف وتوطّدت العلاقة بينهما، ونجد الكاتبة انتصار العقيل تُدخل الكثير من الآراء حول السعودية والوضع الاجتماعي والثقافي والسياسي من خلال حوار البطلة (سيمازا) مع الصحفي (كمال)، وكذلك يتكلمان عن لبنان والحرب الأهليّة، وبدأ الحبّ يتسلل إلى قلبها ولكن عقلها يرفض، فهي امرأة متزوجة، وهي قد خطفت نفسها لتجدَها وتحقق ذاتها لا لتضيعها في حبّ لا أمل فيه.
وبعد عام من هربها وفي لحظة ولادة الحبّ الكبير الذي وُلد وترعرع اكتشفت أن كمال هو مخبر سرّي وأنه مكلّف من زوجها ليجدها، ولكن عندما تعرّف إليها وأحبّها صار يتهرب من إتمام مهمته، ولكن رجال زوجها راقبوه وعرفوا مكانهما وواجهوه أمامها مما أصابها بالدهشة من كذبه عليها طوال تلك الشهور، واختطفوها ليسلموها إلى زوجها…
وينتهي الجزء الأول من الرواية (سيمازا)، لننتقل إلى أحداث جديدة في الجزء الثاني (مولوية عشق).
أول ما قامت به سيمازا عند رجوعها هو تغيير جلدها، قررت الانتقام من زوجها بأسلوبه، فأقنعته أنها تغيرت، حتى إنها غيرت اسمها الشاعري إلى اسم نور، أرادت أن تنتقم لنفسها وتنقذ ولدها، ورغم محاولاتها لتغيير شخصيتها لم تستطع أن تنقذ ابنها الّذي كان قد دخل بسبب والده في تعاطي المخدرات ولأن الأب لا يريد أن يُفتضح أمر ابنه جلب له كل الأجهزة إلى البيت، ومنعها من نقل ابنها إلى المشفى، ولكن ولدها توفّي بين يديها ما زاد حقدها على زوجها وقررت أن تحرر نفسها منه بأي سبيل وهنا دخل على خط الأحداث المحامي (خالد) الّذي التقته يوم أقام زوجها حفلًا عندما عادت ليثبت للناس أنها لم تتركه، ويتقرب المحامي منها وتنشأ بينهما عاطفة لطيفة، أسمتها فيما بعد (فوضى العواطف الإلكترونية القاتلة)، وقالت: “ما بيني وبين خالد لم يكن حبًّا… لم يكن تواصلًا ملموسًا، لقد هربت من مرارة واقع حياتي إلى حلاوة حياة افتراضية، بل لأكنْ صادقة مع نفسي، كان حبًّا ورقيًّا إلكترونيًّا وقعت فيه، تعرضتُ من خلاله للسعادة والحزن، للوفاء والخيانة، للإخلاص والغدر، للجبر والكسر… كل هذا حدث لي، وأنا قابعة في منزلي أمسك بهذا الهاتف اللعين…”
اكتشفت هذا بعد وفاة زوجها وسفر خالد دون تبرير مع أنه كان يقول لها إنه سيكمل حياته معها بعد وفاة زوجها.
وهنا تبدأ بالبحث عن هدف في حياتها، ها هي اليوم قد أصبحت غنيّة بعد أن تحوّلت الثّروة كلها لها، لكنها لا تشعر بالسعادة، إلى أن دخلت حياتها (أمل) وهي صديقة قديمة من أيام الدراسة انتقلت للسكن في الحيّ الذي تسكنه، فتحت لها أمل أملًا جديدًا في الحياة، قالت لها:
“قولي: أريد أن أملأ الوقت وليس أقتله. حين تشعرين بالملل يكون الوقت سيّدك، وأنتِ عبدته، لكن حين تتحيّنين الفرص لتملئي كل فراغ، بكل مفيد وجديد وذي قيمة، عندئذ تكونين أنت السيدة، سيدة الوقت، وهو عبدك”.
وبعد لقاءات كثيرة بينهما وقراءة الكتب التي كانت أمل تزوّدها بها تحوّلت حياتها وصارت أكثر قربًا إلى الله، وقررت أن تعود إلى مدينة (الخَرج) إلى بيت أهلها الّذي وُلدت وعاشت فيه، واشترت القصر الذي كان لابن عم زوجها وحوّلته إلى مدرسة أطفال في الصّباح وفي المساء تصبح مدرسة نسائية لمحو الأُمّيّة وهدفها ليس محو الأُمية التّعليمية فقط، بل تعليم الأخلاقيات والقيم وبناء الذات.
وهنا بدأت رحلتها مع التّصالح مع النّفس، تقول: “لقد أسقطت كلّ حب وعشق من حياتي، إلا حب وعشق الله وحده فقد استبقيته في قلبي… أنا حاليًّا أعيش في حالة مولوية عشق”.
رواية “مولوية عشق” هي رحلة فلسفية وروحية تستند إلى البحث عن الذات من خلال تجارب الحب والخيانة والتحرر. (سيمازا) هي رمز لكل شخص يسعى لفهم ذاته والتحرر من القيود الخارجية، مستعينًا بالعشق كوسيلة للتأمل العميق في الحياة.
الغلاف: تصميم غريد جحا
يتميز بتصميم يعكس المحتوى الرّوحيّ والعاطفي الذي يتوقع القارئ أن يجده داخل الرواية. اللَّون الخلفي البيج المنقوش بأشكال خطّ عربي قديم يُوحي بالتراث والرّوحانية، مما يعزّز الجوّ الصّوفيّ للرّواية، أمّا استخدام اللَّونين الأسود والأحمر في كتابة العنوان فيبرز الكلمات بشكل فنيّ ويجعلها تتناغم مع مفهوم “العشق” الصوفي الذي هو محور الرواية.
أما الخط المستخدم في كلمة (عشق) فيحمل طابعًا مرنًا، مما يوحي بالحركة والانسيابيّة، وهو مناسب لفكرة “المولوية”.

غريد الشيخ
WRITTEN BY

غريد الشيخ

غريد الشيخ محمد كاتبةٌ لبنانيَّةٌ، وصاحبةُ "دار النخبة للتأليف والترجمة والنشر" في بيروت. هي أوُّلُ امرأةٍ تضع معجمًا لغويًّا وهو «المعجم في اللغة والنحو والصرف والمصطلحات».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *