بقلم: ازدهار جحا (متخصّصة في اللّغة العربية وآدابها، أكاديمية)

ازدهار جحا
بدأتُ متابعة هذه القصص التي تُنشر في مجلة العربي الصّغير الكويتية منذ عام 2021، ونصحت بها تلميذاتي وبناتي، وتوقفتْ لفترة ثم عادت إلى الظهور منذ بداية عام 2023 حتى اليوم كباب ثابت في المجلّة.
لَفَتني في القصص الأسلوب السَّلس الّذي يقدّم المعلومة اللُّغويّة وغيرها ببساطة، أما البطلانِ الأساسيّان في السّلسلة فهما: الطّفل (داني) الّذي يبلغ من العمر أحد عشر عامًا، والجدّة الأستاذة الجامعية اللُّغويّة وعمرها ستّون عامًا، وفي بعض القصص تدخل شخصيات جديدة كوالدة داني أو أحد أصدقائه.
داني يحبّ اللّغة العربيّة ويصطادُ الأخطاء الّتي يقع فيها مَن حوله، ويحاولُ أن يصطادَ أخطاء لجدّته اللّغويّة، وتحاول الجَدّة أحيانًا أن تقع بالخطأ ليتمكن داني من اصطياده.
طبعًا كلّ قصّة من هذه القصص تقدّم كلماتٍ معيّنة وتفسّرها مع ذكر عائلة الكلمة ومعلومات ثقافيّة وعلميّة واجتماعيّة دون أن تخرج القصّة عن هدفها الأساسي.
سنقرأ معًا قصّة (قُبطانٌ أم قُرصان) الّتي نُشرت في مجلة العربي الصّغير، فبراير 2021
[دخلَ داني غرفةَ جَدَّتِه، فألْقى عليها التَّحِيَّةَ مِن بعيدٍ، وكانَتْ مُنْهَمِكَةً في الكتابةِ على حاسوبها، وقال:
- جَدَّتِي الجميلة!
ورحَّبَتْ به كعادتِها: “أَهْلًا بداني”، وطَلبَتْ منه أنْ يَقْعُدَ قُبَالَتَها، لكنَّهُ اسْتَمْهَلها ريثما يأخُذُ حَمَّامًا دافئًا، ووعدَها أن يأتي ثانيةً لتناولِ الغَدَاءِ معًا، فقالَت له إنّها بانتظارِه وبانتظارِ أحاديثِهِ الشَّائِقةِ.
وبعدَ ساعةٍ، جاءَ، فتناولا الغداءَ، وكانَ مُتَحَمِّسًا كعادَتِه، فقالَ: - أخيرًا قَرَّرْتُ ماذا سيكونُ عملي عندما أَكْبُرُ.
سألته: ماذا؟ طبيبٌ أو مُهَنْدِسٌ؟ أو مُوسِيقيّ؟
قال: (قُرْصَان).
قالت باستنكار: قُرْصان؟!
أجابَ: نعم.. ولمَ لا أكونُ؟ فأنا أُحِبُّ البحرَ كثيرًا، وأُحِبُّ السَّفَرَ أيضًا.. وهكذا يكونُ عملي مُتناسبًا مع هوايتي.
قالَتْ: أعرفُ طبعًا أنّكَ تُحِبُّ السَّفَرَ والبَحْرَ.
سألها: ولماذا اسْتَغْرَبْتِ إذن؟!
أجابَتْ: اسْتَغْرَبْتُ لأنّكَ تُرِيدُ أنْ تُصْبِحَ لِصًّا؟
وشهقَ: لِصّ؟ ما علاقةُ القُرْصَانِ باللُّصُوصِيَّةِ؟
قالت: ما علاقتُهُ!! لِنسألْ صديقَنا المُعْجَم.
وسارعَ داني لإحضار المُعْجَم وتقليبِ أوراقِهِ وصولًا إلى كلمة القُرصانِ، فقرأ بصوتٍ مُتَهَدِّجٍ: - (القُرْصانُ: هو لِصُّ البَحرِ).
وأخذتِ الجَدَّةُ المُعْجَمَ، وتابعَتِ القراءةَ: أو هو الَّذي يَجُولُ اتِّجاهَ سَفِينةٍ أو طائرةٍ، إمَّا لِسَلْبِ الحُمُولَةِ أو لِغاياتٍ أُخْرى.
ودُهْشَ داني، ورفضَ: سَلْبٌ بَحْرِيٌّ أو جَوِّيٌّ؟ سَلْبٌ؟ لُصُوصيَّةٌ يا جَدَّتي؟ طبعًا لن أُصْبحَ قُرْصانًا، بل، بل…
قالَتْ بسرعة: بل (قُبْطانًا).
فقال: ربَّما. ولكن لن أُؤَكِّدَ لكِ قبل أن أَعْرِفَ معنى القُبْطَانَ، فقد يكونُ لِصًّا برّيَّا!
وقَلَّبَتِ الجَدَّةُ الصَّفَحَاتِ إلى أن وَجَدَتِ الكَلِمَةَ: (القُبْطَانُ: هو قائدُ السَّفينةِ أو الطّائرة).
فهَتَفَ بِفَرَحٍ: أُرِيدُ أنْ أُصْبِحَ (قُبْطانًا)، وهدفي أن أجولَ العالمَ وأنتِ وأُمّي وأبي معي.
وضَحِكَتْ: أنتَ تَعْرِفُ أنَّني أَذْهَبُ مَعَكَ أَينما ذَهَبْتَ، خاصَّةً أنَّني أُحِبُّ البَحْرَ والسَّفَرَ.
وبعد قليلٍ، قالَ داني: لم أكنْ أعرفُ أن القُرْصانَ لِصٌّ، وكلُّ ما كنتُ أعرفُهُ شكلَ رايتِهِ..
وقَعَدَ داني على كرسيِّ جَدَّتِهِ، وبَحَثَ في غوغل عن كَلِمَةِ رايةِ القُرصان، وقَرَأَ بصوتٍ عالٍ:
- اسمعي يا جدَّتي وتعالي لِتَأمُّلِ الصُّوَرِ: (رايةُ القُرصانِ سوداءُ تَحْمِلُ جُمْجُمَةً بيضاءَ وعَظْمَتَيْنِ مُتَصالِبَتَينِ).
وراحَتِ الجَدَّةُ تتأمَّلُ الصُّوَرَ.. وفَكَّرَ قليلًا وسألَها: أتعتقدينَ يا جَدَّتي أنَّ تَسْمِيَةَ (قُرْصَانُ الحاسوب) جاءت من كَوْنِ القُرصانِ هو اللِّصّ؟
أجابَت: هذا أكيدٌ، ولكنّني – في الحقيقة – لا أعرفُ بالضَّبطِ ما يفعلُ (قُرْصَانُ الحاسوب).
قالَ داني: لا تعرفين؟ حسنًا.. سأُخْبِرُكِ: هو يَكْسِرُ الحِمايةَ عن الحَواسيبِ لِلسَّطْوِ على المَعلوماتِ أو تَخْريبِ المَواقعِ، بل إنَّ بعض القَرَاصِنَةِ يَقومونَ باخْتِراقِ مَعلوماتِ الدُّوَلِ أَيْضًا والمُؤَسَّساتِ الكبيرة.
خافَتِ الجَدَّةُ: يا إلهي! هي حُروبٌ إلكترونيّةٌ إذنْ.
فقال داني: وهي أخطرُ من الحروبِ التَّقليديّةِ.
وخَفَقَ قَلْبُ الجدَّةِ: أَغْلِقْ حاسوبي فورًا يا داني، فلربَّما مرَّ قُرْصَانٌ مِن هنا وسرقَ أسئلةَ امتحانات طلّابي.
وضَحِكَ داني، وأَغْلَقَ حاسوبَ جَدَّتِهِ، قائلًا: أغلقتُ بابَ حاسوبِكِ وقَفَلْتُه بالمُفْتاحِ، فإنْ مَرَّ (قُرْصَانُ الحواسيبِ) عَلِقَ في الدَّاخلِ واختنقَ وماتَ.
قالَتْ وهي تَرْقُبُ حاسُوبَها المُغْلَقَ بِرَاحَةٍ: فلْيَخْتَنِقْ كلُّ القَرَاصِنة.
وطلبَ داني من جَدَّتِه العودةَ إلى المُعْجَم، حيث لا قَرَاصِنَةَ، وسألها العَودةَ إلى (القُبْطانِ) لمعرفةِ عَملِهِ بالضّبطِ، فقرأت: (القُبْطَانُ: هو قائدُ السَّفينةِ أو الطّائرةِ). وتابعَت: وقد يُطْلَقُ عليه اسمُ (الرُّبَّان)، والجمعُ: رَبَابِنةٌ ورَبابينُ، أو الرَّيِّس، وهو أعلى رُتبة في الطَّاقِمِ البَحْرِيّ.
فصاحَ داني بِفَرَحٍ: إذن سنكونُ أنا وعادل وجاد (رَبَابِنةً أو رَبَابينَ)، أو سنكونُ (قَبَاطِنَةً أو قَبَاطِينَ).
ضَحِكَتِ الجَدَّةُ: أَعْجَبَكَ الجَمْعُ؟
وضَحِكَ: أَعْجَبَني وفاجأني؛ إذ لم أَتَوَقَّعْ جَمْعًا مثلَ: رَبَابينَ، أو قَبَاطِينَ.
داني: غدًا، عندما نُناقِشُ في اجتماعِنا في المدرسةِ قضيَّةَ عَمَلِ المُستقبلِ، سأُدْلي بكلِّ معلوماتي، بما فيها جمع (القُبْطان والرُّبَّان)، وأُدْهِشُ الجميعَ بمن فيهم عادل وجاد.
ورَبَّتَ على جِلْدِ المُعْجَمِ:
- هذا المُعْجَمُ صَديقي! يُدْهِشُني، ولا مانعَ لَدَيَّ مِن إدهاشِهم لُغَوِيًّا، حتّى لو غَيَّرْتُ رأيي مُستقبلًا ولم أُصْبِحْ قُبْطانًا.
قالَتِ الجدَّةُ: أو قُرْصَانًا.
فَضَحِكَ داني واستنكرَ: أكيد أنّني لن أُصْبِحَ قُرصانًا، وكذلك أصدقائي – طبعًا بعد أن أَشْرحَ لهم ما فَهِمْتُهُ – لن يكونوا (قَرَاصِنَةً وقَرَاصِينَ).
وسارَعَتِ الجَدَّةُ لإضافةِ جمعٍ ثالثٍ: و(قَرَاصِنُ) يا داني.
ودُهشَ: (قَرَاصِنُ)؟ بالطّبعِ لا؛ لن نَكونَ إلّا (رَبَابِنةً أو رَبَابينَ)، و(قَبَاطِنَةً أو قَبَاطِينَ).
وهتفَتْ: ما رأيُكَ أن تُسْمِعَنِي لَحْنًا مِن عَزْفِكَ أَيُّها القُبْطان؟
قال داني: غالِيَةٌ والطَّلَبُ رَخِيصٌ].
ملاحظات حول القصة:
- تقدّم هذه القصّة مجموعة معلومات للأطفال: الفرق بين القُبطان والقُرصان، جمع كلمتي القُبطان والقُرصان، من خلال الرّجوع إلى المُعجم.
- تفوّقَ داني على جدّته وقت حدّثها عن (قُرصان الحواسيب) فطلبت منها أن يُغلقَ حاسوبها لئلّا يغزوه قرصانُ الحواسيب فأغلقه بسرعة وقال ضاحكًا: أغلقتُ بابَ حاسُوبِكِ وقَفَلْتُه بالمُفْتاحِ، فإنْ مَرَّ (قُرْصَانُ الحواسيبِ) عَلِقَ في الدَّاخلِ واختنقَ وماتَ. قالَتْ وهي تَرْقُبُ حاسُوبَها المُغْلَقَ بِرَاحَةٍ: فلْيَخْتَنِقْ كلُّ القَرَاصِنة.
- اللّغة مناسبة للأطفال والنّاشئة، فهي بسيطة ومفهومة، والحوار سهل ومباشر ويتَّسم بالمرح والفضول ما يُبعد الطفل عن الملل ويشجّعه على متابعة القراءة.
- التَّوجيه الأخلاقي والقِيَميّ: القصّة تحتوي على توجيه غير مباشر حول الأخلاقيات، مثل نبذ القَرْصَنَة سواء في البحر أو في الحياة العامّة أو على الحواسيب، مما يقدّم قِيَمًا إيجابيّة بأسلوب غير مباشر.
صفات داني:
- مثقّف، متعدّد المواهب (موسيقا، علم الفلك…)، محبّ للّغة.
- طَموح جدًّا، يحاول أن يتعرّف إلى معلومات جديدة، وفي الوقت نفسه يحاول أن يقدّم المعلومات الّتي يمتلكها هو ولا تعرفُها الجدّة.
- يتمتّع بحسّ الفكاهة والمزاح ويتعامل مع جدّته وكأنّها صديقة له، مما يجعل الحوار بينهما لطيفًا وقريبًا من القارئ.
صفات الجَدّة:
- نلاحظُ من خلال هذه القصة الصّفات العامّة للجدّة، وهي أنّها تمتلكُ إلى جانب معرفتها الواسعة باللُّغة العربيّة وتفاصيلها، قدرةً على إقناع داني من خلال الشّرح والتَّفسير، وتعليمه بطريقة غير مباشرة كيف يستخدم المُعْجَم لتفسير ما يصعب عليه، لتصل به إلى معرفة الفرق بين القُبطان والقرصان لُغويًّا وعمليًّا، وهي في كل هذا تتعامل معه بحِكمة ولطف.
تتمتّع الجدّة بالمَرَح وحسِّ الفكاهة وتشارك (داني) الضَّحِك رغم جدّيتها في شرح الأمور، وهي تحبّ مواهب حفيدِها وتحاول تشجيعه على تنميتها، كما يظهر في نهاية القصة حينما تطلب منه عزف لحن، (تقول له: ما رأيُكَ أن تُسْمِعَنِي لَحْنًا مِن عَزْفِكَ أَيُّها القُبْطان؟). - هذه الصِّفات تجعلها نموذجًا للمعلّم المثالي، تجمع بين العلم والحنان والحكمة، مما يعزّز علاقة داني بها ويحوّله إلى متعلّم فضوليّ ومتحمس، ومشاغب أحيانًا إذ يحاول أن يصطادَ لها أخطاء، ونجدها تعترف بأنّها أخطأت بعد أن يعودا إلى المُعجم.
أخيرًا أقول إنّ كل قصّة من سلسلة (داني يصطاد الأخطاء) تقدّم معلومات جديدة للأطفال والنّاشئة، معلومات لغويّة، اجتماعيّة، ثقافيّة، بأسلوب مَرِح مُحَبَّب وتستحق أن تُجمع بكتاب وتُدرَّس للطّلّاب.