قراءة في كتاب (شو بْخَبّرَكْ عنّي) للشّاعرة نَجاح ذبيان

84
0

(شو بْخَبّرَك عني)، عنوانٌ – صادر عن دار النّخبة للتأليف والتّرجمة والنشر، بيروت 2024 – يدعوك إلى الدّخول والغوص بين صفحات الكتاب، والبحث بين السّطور عن الأسرار الّتي تخبّئها الشاعرة بين الحروف وتريد أن تخبرنا عنها…


نبدأ رحلتنا من غلاف الكتاب البسيط ظاهرًا، العميق معنًى، فيه زهرتان من نوع “زهرة طائر الجنة” ذات الألوان البرتقالية الزّاهية مع لمسات من اللّون البنفسجيّ والأخضر، واللّون البرتقالي يوحي بالقوة والتميّز ويرتبط بالطّاقة والحماس والإبداع، أما اللّون البنفسجيّ فيرتبط بالغموض والرّوحانية، وقد يشير إلى عمق المشاعر أو التّأمّلات الشّخصيّة التي تطرحها الشّاعرة في ديوانها، وربما يمثّل رحلة داخلية إلى الذّات، أما اللّون الأخضر الّذي يظهر في السّاق والأوراق، فيرتبط عادة بالسّلام، الأمل، والنّموّ، ومن الممكن أن يكون تلميحًا إلى الأمل والشّفاء مِن الألم الّذي قد تتحدث عنه الشّاعرة في نصوصها. وتظهر صورة الشاعرة في الجهة الخلفيّة للكتاب، مما يعطي الكتاب طابعًا شخصيًّا أكثر، حيث يشير إلى أن، هذه النصوص تعبر عن تجاربها الشّخصية أو ما هو قريب من وجدانها، كما يوجد على الغلاف الخلفي مقتطف من إحدى القصائد بعنوان “همسة”، التي تتحدث عن الحزن، الفرح، والخطوات نحو السعادة، هذا المقتطف يعزز الطابع العاطفي للكتاب ويدعو القارئ لاستكشاف المزيد من المشاعر العميقة في الداخل. وما يميّز الغلاف اللّون الأبيض الذي يشكّل الخلفيّة الأساسيّة، وهو ما يعزّز ظهور الزّهرة والعنوان بشكل واضح (تصميم الغلاف: عماد مهتار).
تحملنا (نجاح ذُبيان) عبر كتابها في رحلة في عالمها الصَّغير الكبير، فنعيش معها أحلامها وآمالها وآلامها، تأخذنا إلى ربوع وطنها لبنان الّذي مزّقته الخلافات الطائفية والاعتداءات الخارجية ورغم هذا بقي صامدًا وبقي أبناؤه متمسّكين به، كما تعبّر عن الحبّ والفقد والغربة، وعن الطفولة…
تقول في قصيدة “فراغ”:
“في هدأةِ الضَّجر
رَسَتْ أشرِعتي
ونامتِ الرِّياحُ
ولفَّ اللَّيلُ قريتي
عَبَثَ الفراغُ بِمَسْمَعي
فأصَمَّني وغابَ الصَّدى
الغيمُ يَمرحُ في الدَّروبِ
كطفلٍ يُقَبِّلُ العَدَم…”
وفي قصيدة (ألا تدرين)، تطالب الحياةَ وترجوها أن لا ترمي العواصف في دربها فهي قد تقبّلت الحزن، وستبقى نجمة في ظلمة الأنين:

“أيَّتها الحياةُ عانِقيني
لا ترمي العواصفَ في دربي
لا تُبْعِدي النّورَ عن قلبي
لقد تقبّلتُ حُزْنَكِ
ألا تدرين!
كوني البدرَ في متاهاتي
كُوني الإيمانَ في صلواتي
لا تسرقي الأملَ والضّياء
سأبقى نجمةً في ظُلمةِ الأنين
وأرسمُ الحُلمَ بأحزانِ السّنين
لا تُزَعْزِعُني الرّياحُ
ولا تُغْريني الأضواء
سأكتفي بِرَذاذِ العَطاء
وغير ذلك
لم يعدْ يَعنيني”

وتعتزّ الشاعرة بوطنها لبنان، فهي ابنة لبنان، ابنة جبال الأرز الشامخة، هي العنفوان والشموخ، وقد كتبت عن وطنها في عدّة نصوص، تقول في قصيدة “ابنة لبنان”:

“أنا ابنةُ لبنان
ابنةُ جبالِ الأرزِ الشّامخة
وحوريّةُ البحرِ التَّائهة
أنا شمسٌ في أرجائِه خاشِعَة
ونَجْمَةٌ في سمائِهِ ساجِدَة
أنا العُنْفوانُ والشُّمُوخُ
فوقَ رايةِ العزِّ صامِدة”
ثم تقول بحزن وألم إنَّ وطنها عانى من زلازل الجَشَع وسُلبت حقوقه وذبل العطر في أزهاره:

“زلازلُ الجَشَعِ اغتصبَتْ وَطني
واحترقت آمالٌ بالنّورِ طامحة
والعيونُ أصبحت دامعة
غاب الحنينُ عن وطني
ورستِ الأشرعةُ على شَواطِئِه خاضِعَة
سُلِبَت حقوقُهُ بقوّةٍ نرجسية
وذَبُلَ العِطْرُ في أزهارِه الرَّائِعة”
وتُنهي قصيدتها بالتأكيد أن لبنان لم يهنْ ولم يَسْتَكِنْ رغم ما ألمَّ به من مصائب ومصاعب:

“فما هانَ ولا لان عَزْمُه
وما همّ البحر مِن مُستطيرِ الشَّرَر”

ينقسم الكتاب إلى قصائد بالفصحى وقصائد بالعامّيّة، وقد وجدت في القصائد العامّية سلاسة وقربًا إلى نفسي، حتّى في طرح الموضوع الّذي تكتب فيه، تقول في قصيدة (تركني بقلبك):

“تركني بقلبك حلم غافي
لا تضوّي قناديل مطفيي
خلّي العتم واقف على بوابي
يكتب قصايد بحروف سحرية
غفي الشَّوق ونامت وراقي
وصارت متل شجرة بأرض صخريّة
لا تبني قصور وتزين عتابي
وع دربي تزرع ورود جورية
خليك ملامح حلم وشموخ عالي
لا تصحى من غفوتك
وتزيد الأسيّة”

وتسأل الزمن في قصيدة (شو تغيَّر يا زمن) عن سبب التّغيّر وأنّها لم تعد تعرف “ما عدت أعرف سهل من تلة”، كيف تغيرت القلوب وأصبحت كالحجار حتّى الأمل طار، ولكنها تعود لتسأل سؤال من يريد جوابًا بالإيجاب: “قولك رح يتغيّر الزّمان… تفرح قلوب… وتركع تصلّي”

“شو تغيّر يا زمن
قلّي..
ما عدت أعرف
سَهل من تلّة
جنّ العمر وشعلت النّيران
وصرنا نعبّي دموع بالسّلّة
جفت الأرض
وصارت قلوب حجار
غمار الوجع نجمع من الغلة
حتى الأمل بعد إلي صار طار…
وراية قسى بالسّما تعلّي…
قولك رح يتغير الزمان
تفرح قلوب
وتركع… تصلّي”

نجحت الأديبة (نجاح ذُبيان) في زرع بصمة وجدانيّة لها في النّثر الشّعري، فعبّرت عن شعورها بأسلوب مُرهَفٍ رقيق يأخذ القارئ في رحلة معها في عالَمها الّذي شكَّلته ونسجته من عمق أحاسيسها وحساسيتها المفرطة تجاه كل ما يحيط بها من قضايا خاصّة وعامّة… ألف مبارك إصدار كتابها الأول مع تمنياتي بالمزيد من الإبداعات الشّعريّة والنّثرية…

غريد الشيخ
WRITTEN BY

غريد الشيخ

غريد الشيخ محمد كاتبةٌ لبنانيَّةٌ، وصاحبةُ "دار النخبة للتأليف والترجمة والنشر" في بيروت. هي أوُّلُ امرأةٍ تضع معجمًا لغويًّا وهو «المعجم في اللغة والنحو والصرف والمصطلحات».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *