قصة قصيرة.. التزام

91
0

بقلم: دانيال القهوجي

طُرِقَ بابُ الصَّفِّ في يوم بارد من شهر كانون الثّاني، حينَ طالبَتْنا المديرةُ بالتَّوجُّهِ فورًا إلى مسرح المدرسة لحضورِ محاضرة أَعَدَّتْها جمعيّة تُطالب بحقوق الحيوانات وحمايتها.
جلسنا على كراسي المسرح حيث عُرِضَ مقطعُ فيديو يتحدّث عن أهمية حماية الحيوانات، صغيرِها وكبيرِها، أليفِها ووَحْشِيِّها، وعُرِضَ فيه تفاصيلُ عمل الجمعيّة في هذا المجالِ.
ومع انتهاء الفيديو، شرح بعضُ أعضاء الجمعيّة، ورئيسها أيضًا تفاصيل مهمّة أقنعتنا أنا وصديقي (لبيب) بالانتساب إلى الجمعيةِ قبلَ زملائِنا الَّذين فضّلوا أن يسألوا أهلهم قبلَ اتّخاذ قرارٍ كهذا، فانتسبْنا وباشرنا العمل والمشاركة في جميع نشاطات الجمعيّة؛ مثل: حماية المناطق من الصَّيد غير القانوني، وتشكيل حملات إعلاميَّة وتصوير فيديوات ونشرها تهدف كلّها إلى توعية الصّغار والكبار، وخاصّةً من الصّيّادين الّذينَ وقعَ أحدهم في أيدينا أنا و(لبيب) عندما كنا ندرس لامتحانات شهادة “الإعداديّة” في بيتي، عندما تسلَّقَ الصّيّادُ سُورَ حديقة منزلي ورفع عصفورًا ميتًا اصطادَه للتَّوِّ من بين أوراق شجرة الأفوكا بفَخرٍ، فلقّناه درسًا ألقينا فيه كل معلوماتنا الغاضبة على ضميره، فهربَ تاركًا العصفور لِقِطَّةٍ مارَّةٍ بالصّدفة، كما يهرب كلّ “مجرمٍ”.
وطوال عملنا الجادِّ، كنّا نستشيرُ رئيس الجمعيّة ونتلقّى بعض تعليماتِه عبر الهاتف ونطبّقها بحذافيرها ونتحدّث عنها بفخر بين زملائنا والجيرانِ. وبعد عملٍ كبير في خدمة قضيّةٍ آمَنَّا بها، كافَأنا الرَّئيس بدعوتنا أنا و(لبيب) إلى عشاءٍ في بيته ليشكرَنا على مجهودِنا في حماية الحيوانات.
وصلنا أمام سور قصرٍ عِملاقٍ مُحاطٍ بكلابٍ شَرِسة مقيَّدة بسلاسل فولاذيّة تمنعها، لا من الهروب فقط، بل تكاد تمنعها حتّى مِن التّحرّكِ.
طرقنا بابًا خشبيًّا ضخمًا مقابضُه حديديّة على شكل أسد يفتحُ فمه، وحينَ فتح الرَّئيس البابَ، رحَّبَ بنا ترحيبًا حارًّا قائلًا: “أهلًا بأبطال القضيّةِ وحُماةِ الحيوانات”. وقال عبارة شعبيّة: “البَيت بيتكم”.
ولحقْنا به عبر رواقٍ مليء بِصُوَرِه الكبيرةِ المعلَّقة على الجدرانِ وهو يصيدُ العصافير والحيوانات النّادرة، بينما كنّا نمشي على سجّاد وفَروٍ من مختلف جلود الحيوانات. جلسنا في غرفة الطَّعام الّتي يتوسّطُها بيانو ذو أزرارٍ من عاج الفيل، وفي زاوية الجدار القريب من البيانو مصيدةُ فئرانٍ تنتظرُ صيدًا، وفوق البيانو نسرٌ مُحَنَّط يعودُ تاريخُه لحوالي شهر فقط وحوله مجموعة من البنادق المغطَّاة بالذهب عيار 24.
وبعد أن لمَّع الرّئيس حذاءَه المصنوع من جلد التّمساح وغسلَ يديهِ، طلب إلينا الجلوس على مقاعدَ من جِلد الثَّور الأمريكيّ الجبليّ، ثمّ طلب من الطّبّاخ إِحضارَ الطّعام. دُهِشْنا أنا و(لبيب) بهذه المناظر غير المتوقَّعة في منزل رئيس الجمعيّة، وخاصّة حينَ رأينا فراشةً عملاقة معلَّقة فوق المِدفأة الحمراء.
قَدَّمَ الطَّبّاخُ لنا الطّعامَ النَّباتي من سَلَطات متنوّعة، ومطبوخاتٍ عشبيّة، وملأ بنفسهِ لنا بعض المقبّلاتِ قائلًا إنّها من ألذّ ما تُنتجه الأرضُ، وعلَّقَ ممتعضًا: “لا أتصوَّرُ نفسي يومًا أتناولُ لحمَ مخلوقات مقتولة!”.

لبنان، الدَّامور
23/ 5/ 2024

دار النَخبة
WRITTEN BY

دار النَخبة

تأسّست دار النّخبة للتّأليف والتّرجمة والنّشر عام 2007 م، وقامت بطباعة عدد من الكتب وأهمها المعاجم والرّوايات وقصص الأطفال والنّاشئة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *