قصة قصيرة.. غَمزَة

81
0

بقلم: دانيال القهوجي

بعد عطلة عيد الميلاد الباردةِ، رجعْنا إلى المدرسةِ، وبدأنا بأحاديث الاشتياق.
وبينما كنّا، أنا و(شكيب)، نستقبلُ جميع زملائنا قرب بوّابة المدرسة السَّوداء الكبيرة، نزلت زميلتُنا مِن الحافلةِ مُتَغَنْدِرةً وشعرها الأسود يتطايرُ في هواء المدرسة الجليديّ، ومنحتنا غمزةً جعلَتْ قلبَيْنا يزدهران، فبدأا بالقفز مثل “النَّابض”، واعتقدَ كلُّ واحدٍ منّا أنَّ الجميلة غَمَزَتْه لأنها تحبُّه لا محالةَ.
وانصهرنا لشدّةِ جمالها، وذابت أعينُنا ونحن نُلاحقها مُتَنَهِّدَيْن.
ولم يَطُلِ الوقتُ حتّى بدأتُ أتساءَلُ: “هل كانَت تقصدني أو تقصده؟”
وكانَ (شكيب) يسألُ نفسَه السّؤالَ نفسه.
ومرّت كلُّ الحصص وتركيزنا وتفكيرنا كان يدور حولَ غَمزَةِ الحُلوة.
وبعد المدرسة، دعوتُ (شكيب) إلى منزلي للتَّحدّث واللَّعب سويًا.
ولمّا قدِمَ، تكلّمنا بسرعةٍ عن زملائنا لنصلَ إلى حدَث الصَّباح الرّئيس الذي اجتمعْنا من أجله، فقلت له بصوت خفيف: “هل شاهدتَ عفيفة اليوم كيف غَمَزَتْني وابتسمتْ لي؟”
ثمّ أكملْتُ بسعادةٍ: “كنتُ أعرفُ أَن (عِفّو) تحبُّني، فحركاتُها واضحة”.
وتدخَّل (شكيب) بسرعة صارخًا:”تعتقدُ أن عفيفة ستغمزُ شخصًا مثلكَ؟ بالطّبع هي تغمزُني وتلاطفني أنا، لأنّني وسيمٌ وذو هيبة وأبدو أكبرَ منكَ، وكأنَّني تلميذ بريفيه”!
فردَّيت: “أَنتَ تغارُ منّي، يا (شكيب)، وتتخيل هذه الأمور فقط”.
فانتفض (شكيب)، وغادر منزلي خابطًا الباب وراءه بعنف.
ولأيّامٍ لم نعُد نتكلّم مع بعضنا بتاتًا، لكننا بدأنا، من دون أن نتّفقَ على هذه الخطوة، بمراقبة (عفيفة)، فلاحظْنا أنها تخرج ضاحكةً كلّ يومٍ من المدرسة مع فتًى أكبر منّا بسنة، متّجهين نحو حافلة المدرسة، ويعودان صباحًا معًا ضاحِكَيْنِ، سَعيدَينِ. ولم تَعُد تتكلّم معنا إلّا إن صادَفَتْنا الكلمات اللّازمة: “صباح الخير… إلى اللّقاء…”.
وكانَ لا بدَّ لي أن أتحدّثَ مع (شكيب)، فليس هذا وقت الشِّجار، ووافقَ فورًا أن نلتقي في مطعم القريةِ القريبِ من المدرسةِ.
ذهبنا إلى المطعم، وتشاورنا طويلًا، ووصلْنا في النِّهاية إلى أنّ العقل يجب أن ينتصر دائمًا على الأحاسيس، وأنه كان من واجبِنا أن نفكّر قبل دخول ذلك الشّجار السّخيف!
وتعانقنا، وتصالحنا!
وفي اليوم التّالي، وصلَتْ (عفيفة) مع صديقِها الأثير، واتَّجهتْ نحوي و(شكيب)، وقالت لنا:
“ما هذا البرد القارس؟ حُوووح! لا أستطيعُ أن أفتح عينيَّ، فكلما فتحتهما، تغمضان من الصّقيع!”
وهنا اكتشفنا أن نسمةَ بردٍ عيَّشتْنَا حالةَ حب وعراك!

لبنان- الدّامور
22/ 1/ 2023

دار النَخبة
WRITTEN BY

دار النَخبة

تأسّست دار النّخبة للتّأليف والتّرجمة والنّشر عام 2007 م، وقامت بطباعة عدد من الكتب وأهمها المعاجم والرّوايات وقصص الأطفال والنّاشئة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *