إذا كان الهدفُ من تأليف المُعجمات هو الحفاظ على اللّغة الأم، فإنّ اللُّغة تتطوّر مع الزَّمن، وقد تتغيّر مدلولاتُ الألفاظِ وصِيَغُها ومفاهيمُها مع تغيُّرِ العوامل والظّروف الاجتماعيّة والحضاريّة المختلفة، وتأخذ معنًى اصطلاحيًّا غير الموجود في المُعْجَمات القديمة، وهذا طبيعيّ جدًّا، وهذا التّطوّر لا يعني إلغاء التّراث اللُّغويّ، بل يعني المُرونة في الصّناعة المُعجميّة لِتَجَنُّب الالتباس وسوء الفهم في استخدام الألفاظ في سياقاتِها الحديثة.
ومن الكلمات الّتي توقّفتُ عندها طويلًا وأنا أعمل على جمع الألفاظ الخاصّة بالمرأة في (معجم المرأة) لفظُ (الجارِيَة)، فبِمُجَرَّدِ سماعِ اللّفظ يستحضرُ القارئُ معنًى مُعَيَّنًا ويذهب بخياله إلى الجواري والإماء والعالم الغامض المُثير الّذي يحيطُ بهنّ، وأخبارهنّ مع أسيادهنّ والحِظْوَة الّتي تُمَكِنّهنّ من الوصول إلى أعلى المراتب، ولا يفوتُنا معاركهنّ مع الحرائر ومُزاحمتهنّ على قلوبِ الرّجال، ونعود إلى قصور الخلفاء ونتعرَّفُ إلى صفات الجواري الخَلْقِيّة والخُلُقِيّة الّتي مكَّنت بعضهنّ من الوصول إلى قلب الخليفة أو السّيّد ثمّ إنجاب الأولاد له، فتسمّى “أمّ ولد”…
وإذا رجعنا إلى المُعجمات اللُّغَويّة القديمة والحديثة وفتّشنا عن لفظٍ ما نجدُ عدّة معانٍ لهذا اللّفظ، ومن خلال قراءتنا للجملة نستطيعُ الوصول إلى فَهْمِ المعنى المُراد من الكلام، وهذا ما يُسَمَّى المعنى الأساسيّ أو الأوّليّ، ولكن اللّفظَ نفسه يتغيّر بتغيّر الثّقافة أو الزّمان أو المكان.
الكلمة الّتي سأتحدّث عنها اليوم هي لفظة (الجارِية)، الّتي تحملُ عدّة معانٍ في المُعجمات، ولكنّ وجودها في الجملة يوضحُ المعنى المُراد:
[الجارية (ج ر ي): السَّفينة، سُمِّيَتْ بذلك لِجَرْيِها في البحر، وفِي التَّنْزِيل الْعَزِيز {حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَة}، ومنه قيلَ لِلأَمَةِ (جارية) على التَّشبيه لِجَرْيِها مُسْتَسْخَرَةً في أشغالِ مَوالِيها، والأصل فيها الشّابَّة لِخِفَّتها، ثمَّ توسّعوا حتَّى سَمَّوْا كلَّ أَمَةٍ جارِيَةً وإن كانت عجوزًا لا تقدرُ على السَّعْيِ تَسْمِيَةً بما كانت عليه، ج: جواري] (المصباح المُنير).
[الجاريةُ (ج ر ي): الشّمسُ * السَّفِينةُ * النِّعمةُ مِنَ اللّهِ * فَتِيَّةُ النّساء، ج: جَوارٍ] (القاموس المحيط)
[الجاريةُ: الأَمَةُ وإن كانت عَجُوزًا * الفَتِيّةُ مِن النّساء * الشّمسُ * السّفينةُ * الرِّيحُ، ج: جوارٍ] (المعجم الوسيط)
وجاء في معجم لغة الفُقهاء: [الجارية: هي الأَمَةُ صغيرةً كانت أم كبيرة * البنتُ الصّغيرةُ الَّتي لم تبلغْ]
أمّا تعريف الأَمَة، فهو [الأَمَةُ: المَــــرْأةُ المَمْلُوكَـــةُ، خِلاف الحُرَّةِ، ج: إماء * مَنْ ضُرِبَ عليها الرِّقُّ، أو وُلِدَتْ مِن أمٍّ رقيقةٍ ولم يطرأ عليها تحرير] (معجم لغة الفقهاء)
الجاريةُ والأَمَةُ (مصطلح): تُوصَفُ به العبيدُ من الإناث سواءً فتيات أو كبيرات في السّنّ، وهن يُسْتَعْبَدْنَ بواسطة النَّهبِ والسَّلبِ بِالحروب، ويُطْلَقُ المُصطلح أيضًا على الإناث اللّواتي يُولَدْنَ لأَمَةٍ مملوكةٍ وعبد مملوك، وقد يحصل عليهن المالكُ بشرائهنّ مِن سوقِ الرَّقيق أو يحصل عليهن كهدايا، وقد أُشِيرَ إليهنَّ في القرآن بِمُلْكِ اليَمين، قال تعالى: {وإن خِفتم ألّا تُقسِطوا في اليَتامى فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مَثنى وثُلاثَ ورُباعَ وإن خِفتم ألّا تَعدِلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألّا تعدلوا} [النساء: 3]، ما ملكت أَيمانُكم؛ أي: ما مَلَكْتُم مِنَ الإماء والجواري، وفي الحديث النّبوي أُشِير إليها بالمَملوكة أو مُلك اليمين.
وبسبب تفشّي ظاهرة الجواري والإماء ظهرت مُسَمَّيات عدّة حسب عمل الجارية وموقعها وصفاتها، ومن هذه المُسَمّيات:
الحَظِيَّة: المَرأةُ الَّتي تُفَضَّلُ على غَيرِها في المَحَبَّةِ * المرأةُ المُقَرَّبَةُ أو المُكَرَّمةُ عند رَجُلٍ ذي سُلْطَانٍ، ج: حَظَايا.
المَحْظِيَّة: هو لقبٌ تُخْتَصُّ به نوع مُحَدَّد مِن الجواري، والّتي يتمّ اختيارُها كخليلة ونديمة للخليفة، وإن صلحت تصبحُ أُمًّا لأولاده، ولها مواصفات مميّزة، ج: المَحْظِيَّات.
السُّرِّيَة: الأَمَةُ الَّتي يَطَؤُها سَيّدها، ج: سَراري (معجم لغة الفقهاء)
القَيْنَةُ: الأَمَةُ صانعةً أو غير صانعةٍ، وغلب على المُغَنِّيَة، ج: قِيانٌ وقَيْناتٌ (المعجم الوسيط)
المملوكة: العَبْدَةُ.
وإذا كانت لفظةُ الجارية بمعنى (الأَمَة) قد أخذت هذا المدلولَ عبر التّاريخ وغلبت على المعاني الأُخرى إلّا إن عُدنا للسّياق كما قلنا سابقًا، فإنّ المعنى الّذي ذَكَرَتْه المُعجمات أنّه (الفتيّة من النّساء)، يجعل القارئَ والباحث يظنُّ أنّ بعض الألفاظ تخصُّ الجاريةَ الأَمَةَ ولا تخصُّ المرأة أو الشّابّة بشكل عامّ، خصوصًا أن هذه الكلمة (الجارية) لم تَعُدْ تُستخدمُ في معظم دولنا العربية للدّلالة على (الفَتَيّة من النّساء)، ولا بدّ أن نشير إلى أنَّ كلَّ أَمَةٍ هي أُنثى تملكُ صفات المرأة الخَلْقِيَّة، وليست كلُّ أُنثى جارية، وعليه لا بدّ من الفصل بين الألفاظ الّتي تخصُّ الشابّة أو المرأة بشكلٍ عامّ، والألفاظ الَّتي تخصُّ الجواري والإماء.
وسأذكرُ هنا بعض المواضع الّتي ذُكِرَت فيها كلمةُ الجارية وتدلُّ في الحقيقة على صفة تخصُّ الشّابّة أو المرأة حُرَّةً كانت أو أَمَةً، وكيف يمكن استبدال اللّفظ بآخر لِتَجَنُّب سوء الفهم:
(أَرْكَسَتِ الجاريةُ وارتكستْ: بَرَزَ ثَدياها): ألا يدلُّ هذا اللّفظُ على صِفَةٍ تخصُّ الفتاةَ أو الأُنثى بشكلٍ عامّ، أليس من الممكن استبدال كلمة الجارية بالفتاة؟
(اسْبِكَرَّت الجاريةُ: استقامتْ واعْتَدلتْ): اسبكرّت الشابَّة.
(أَشْهَدَتِ الجاريةُ: حاضَت وأَدْركتْ): أليس إدراكُ الفتاة والحَيض من صفات الأُنثى عمومًا؟ ويمكن أن نقول: أشهدتِ الفتاة أو الشّابّة أو الأُنثى.
(البَخْنَدَى والبَخْنَداةُ: الجارِيَةُ التَّامَّةُ القَصَبِ، الرَّيَّا، والقَصَبُ: عِظامُ اليَدَيْنِ والرِّجْلَينِ والأصابعِ، وما بين المفْاصِلِ): أليست هذه الصّفات من صِفات الأُنثى عُمومًا؟
(البَضَّةُ: الرَّخْصَةُ الجَسَدِ، الرَّقيقةُ الجِلْدِ، المُمْتَلِئَةُ البَدَنِ، ويقال: جاريةٌ بَضِيضَةٌ وباضَةٌ وبَضْباضَةٌ: بَضَّة): ألا تُوصف المرأة الممتلئة الرَّخصة الجَسَد في مجتمعاتنا بالبَضّة والبضيضة؟
(الجَسْرَةُ: جارِيَةٌ جَسْرَةُ السَّواعِدِ: مُمْتَلِئَتُها * إِنَّها لَذَاتُ خَلْقٍ جَسْرٍ: أي حَسَنٍ رَيّان): أليست هذه الصفة تخصُّ المرأة بشكلٍ عام، ومن الممكن استبدال اللّفظ أو حذفه فنقول: الجَسْرة: المرأةُ المُمتلئةُ السَّواعدِ.
(الجُهَانةُ: الجاريةُ الشَّابّةُ، التَّارَّةُ النّاعمةُ، الصَّغيرةُ): أليست هذه الصّفة تشمل الحُرّة والأَمَة، ويمكن أن نستبدلَها بقولنا: الجُهانة: الشَّابَّةُ، التّارةُ النّاعمةُ.
(بَظَرَ الجارِيةَ: خَتَنَها، خَفَضها): نعلمُ أن خَفْضَ الفتيات مِن العادات الّتي وُجِدتْ منذ أقدم العصور وما زالت حتّى اليوم متّبعة في كثير من البلدان العربية والأفريقية، وهو يتبعُ بعض المفاهيم الخاطئة عن الصّحّة، والدين، والقبول الاجتماعي، إذ تعتبره بعض الثّقافات علامة للطّهر والعفّة، ورمزًا للنَّظافة الشّخصية، ووسيلة للحفاظ على العُذْريّة، فيما ينظر إليه البعض على أنّه طقسًا للبلوغ، وضرورة للزّواج، ولا نعلمُ إن كانت الجَواري الإماء يُخْتَنَّ أصلًا، لأنّ الهَدَف مِن خَفضِ الفتاة هو ما ذكرناه!
(الحَطَاطَةُ: الجارِيَةُ الصَّغيرةُ): ألا يمكن استبدال الكلمة بالفتاة الصّغيرة؟
(الحَطِيطُ: الجاريةُ الصَّغيرةُ * يُقال: هيَ حَطيطُ الكَعْبِ: مُمْتَلِئَةُ المُخَلْخَلِ لا يَبِينُ كَعْبُها ممَّا حَولَه مِن الشَّحْمِ).
(بَيضةُ الخِدْرِ: الجاريةُ المَصُونةُ في بَيتِها): هذه من الصّفات الّتي أُطْلِقَتْ على المرأة المَصُونة في بيتها.
(الخَرِيضةُ: الجارِيةُ الحَديثةُ السِّنِّ في بَيَاضٍ وتَرارةٍ): يمكن أن نقول: الشّابّةُ الحديثةُ السّنّ في بَياضٍ وتَرارةٍ.
(السَّنْعاءُ: المرأةُ الطَّويلةُ * الجاريةُ الَّتي لم تُخْتَنْ): نقول: الفتاةُ الّتي لم تُختَن، ومن الممكن أن تكون حُرَّةً أو أَمَةً.
(الخَوْدُ: الجاريةُ النّاعمة): نقول: الخَوْدُ: الشّابّة النّاعمة.
(الكِنَازُ: جاريةٌ كِنَازٌ: كثيرةُ اللَّحمِ): الكِنازُ:
(اللَّطِيفةُ: جاريةٌ لَطيفةُ الخَصْرِ: ضامِرةُ البَطنِ): أليس اللّفظُ يدلُّ على الأُنثى بشكلٍ عامّ.
ومثلها ألفاظٌ كثيرةُ، جاء منها في المعجمات القديمة والحديثة:
(المَحْطُوطَةُ: جاريةٌ مَحْطُوطةُ المَتْنَيْنِ: ممدودةٌ حَسَنَةٌ مُستَوِيَةٌ)، (المَرْمُورَةُ: الجاريةُ النَّاعمةُ الرَّجْراجَةُ)، (المُسَتَّرَةُ: جارِيَةٌ مُسَتَّرَةٌ: مُخَدَّرَةٌ، أي تَلزَمُ الخِدْرَ)، (العُرْيُ: التَّجَرُّدُ مِنَ الثِّيابِ، يقال: جاريةٌ حَسَنةُ العُرْيَةِ والمُعَرَّى والمُعَرَّاةِ؛ أي: المُجَرَّدِ)، (الوَحْصُ: البَثْرَةُ تخرجُ في وجهِ الجاريةِ المَلِيحةِ)، (العاتِقُ: الفَتَاةُ أوَّلَ إدراكِها، وقيل: هي الَّتي لم تَبِنْ مِن وَالِدَيْها ولم تَتَزَوَّجْ وقد أَدركَتْ وشَبَّت، وقيل: الجارِيَةُ الَّتي لم تُفتَضَّ)، (العاذُورُ: ما يُقْطَعُ مِن مَخْفِضِ الجارِيَةِ)، (الرِّبَحْلةُ: جاريةٌ سِبَحْلَةٌ رِبَحْلَةٌ: ضَخْمَةٌ لَحِيمَةٌ جَيِّدَةُ الخَلْقِ في طُولٍ)، (الرَّطْبَةُ: جاريةٌ رَطْبةٌ: رَخْصَةٌ، ناعمةٌ)، (القَطُوفُ: جارِيَةٌ قَطُوفٌ: تُسيءُ السَّيْرَ وتُبْطِئُ)، (الكاعب: الجارية حين يبدو ثَدْيُها للنُّهود)، (الْمُرَاهِقَةُ: الْجَارِيَةُ الَّتِي قَارَبَتْ الْبُلُوغَ)، (المَعْصُوبةُ: جارِيةٌ مَعْصُوبَةٌ: حَسَنَةُ العَصْبِ، أَي اللَّيِّ، مَجْدُولَةُ الخَلْقِ): كلّ الألفاظ السابقة تنطبق على الحُرّةِ والجارية، ويمكن استبدالها بألفاظٍ أخرى.
الألفاظ التي تعني الجارية فيها الأَمَة:
الاسْتِبرَاءُ: أن يَشتَريَ الرَّجُلُ جارِيَةً، فلا يَطَؤُها حتَّى تَحيضَ عندَه حَيضةً ثمَّ تَطْهُرَ، وكذلك إذا سَبَاها لم يَطَأْها حتَّى يَستَبرئَها بِحَيضةٍ، ومَعناهُ: طَلَبُ بَراءَتِها مِن الحَمْل، (مع العلم أن لفظة الاستبراء تُسْتَخْدَمُ للمرأة المُطلقة أيضًا)، وهنا نتبع السّياق لمعرفة المقصودة.
أَوْصَفَ (و ص ف): أَوْصَفَتِ الجاريةُ: تَمَّ قَدُّها، صارت قادِرةً على الخِدْمَةِ، مص: إيصافًا.
التَّوْرَةُ (ت و ر): الجارِيَةُ الّتي تَتَرَسَّلُ بينَ العُشّاقِ.
الكَهْدَل (ك هـ د ل): العاتِقُ مِن الجَواري.
المُوَلَّدَةُ (و ل د): الجارِيةُ المَولُودةُ بين العرب، كالوَلِيدة * الّتي وُلِدَتْ بأَرْضٍ وليس بها إِلَّا أَبُوها أَو أُمُّها * جاريَةٌ مُوَلَّدَةٌ: تُولَدُ بين العَرَبِ وتَنْشَأُ مع أَولادِهم ويَغْذُونَها غِذَاءَ الوَلَدِ ويُعَلِّمونَها مِن الأَدَب مثْل ما يُعَلِّمون أَوْلادَهم.
الوَصِيفَةُ (مصطلح): الجارِيَةُ، ج: الوَصائِفُ، وفي العصر الحديث صارت تُستخدم اللَّفظةُ في مسابقات ملكات الجمال وغيرها.
بعد عرضي لبعض استخدامات لفظ (الجارية) الواردة في المُعْجمات العربيّة، ولم أستطع ذِكرها كلّها لأنها كثيرة جدًّا، أشيرُ إلى ضرورة أخذِ مُؤَلِّفي المُعْجَمات الحديثة الدّلالات الجديدة الَّتي أفرزتها الظّروف السّياسية والاجتماعيّة والحضاريّة بعين الاعتبار واستبدال الألفاظ بأُخرى خَشْيَةً مِن اللُّبْس (الشُّبهة والإشكال وعدم الوضوح).
وأخيرًا أقول: لَكَم تمنّيتُ لو بقيَ معنى (الجارية) الفتاة الصّغيرة، وأن لا تمرَّ الإنسانية بهذا الامتحان المُرّ وهو استعباد الإنسان للإنسان، والّذي حاول الإسلام التّخفيف منه على مراحل، والّذي تنبّه العالم له، ووصلنا اليوم إلى عصر انتفى منه الرِّقُّ (المتعارَف عليه تاريخيًّا)، وحلّت مكانه أنواعٌ أُخرى من الرّقّ، أجارنا الله منها.
WRITTEN BY