المُقَدّمَةُ
ممّا لا شكّ فيه أنّ هناك الكثير من الكتب التي كُتِبَتْ عن المرأة سواءً كانت هذه الكتب «تراجم» أو دراسات عن شِعْرها وأدبها، ولم يتوقّف الكُتّاب منذ قديم الأزمان عن الكتابة في موضوع ما، ولكنْ كلٌّ من وجهة نظره واهتمامه بمادّة معيّنة، وما زالت المكتبة العربيّة تحتاجُ إلى إثرائها بمزيد من الكتب وفي كلّ العصور، كي تتناسبَ الكتابةُ مع التَّطوّر في المجتمع.
وما يميّز كتابي أنه يضمّ سِيَرَ أكثر من ثلاثمائة سيّدة سعوديّة ذوات اختصاصات مختلفة، فتجدُ الرّائدات في الطّبّ والعلوم والتكنولوجيا والمخترِعات والأدبيات والشّاعرات والرّوائيّات، والفنّانات التّشكيليّات، وأخيرًا وليس آخِرًا الأميرات اللّواتي تركن بصمةً في تاريخ الوطن… إذن فالكتاب لم يتوقّف عند فئة واحدة من النّساء أو اختصاص معيّن.
وسبب اختياري لهذا الموضوع يعود إلى عام 2009 م عندما كُرِّمْتُ في إثنينيّة الأستاذ عبد المقصود خوجة، وكانت المرّة الأولى الَّتي أزور فيها المملكة العربية السّعودية الّتي هي في وجداننا أرضُ العروبة والإسلام ومَهْبِط الوَحي.
يومها تعرّفت إلى نُخْبَةٍ من السّيّدات اللّواتي حَضَرْنَ التّكريم، وكنّ يشاركنَ ويسألنَ ويَستفسرنَ عن كلّ صغيرة وكبيرة في تاريخي مع الكِتاب والتَّأليف والطّباعة.
من هنا كانت البداية… واستمرّت العلاقة بيني وبين كثيرات منهنّ أتابع نشاطاتهنّ الأدبيّة والحياتيّة والثّقافية وعطاءاتهنّ الفكريّة التي كانت تزداد يومًا بعد يوم، ثم التقيتُ أُخْرَيات في مهرجان الجنادريّة يوم دُعِيتُ لتقديم ورقة عمل عن «المعاجم ودورها في الحفاظ على الهُويّة العربيّة»، وأيضًا عدتُ وقد ازداد عدد معارفي من المبدعات.
ومنذ أكثر من سنة وبينما كنت أتابع التّغييرات الإيجابيّة الكبيرة التي تحصل في المملكة العربيّة السّعوديّة والتي تُفسِحُ المجال أكثر للسّيّدات للمشاركة في الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة، فكّرت أن أجمع سِيَر سيّدات تركنَ أثرًا بارزًا في الحياة… وبدأت بالكتابة عن الصّديقات اللَّواتي عَرَفْتُهُنّ عن قُرب، فطلبتُ سِيَرَهُنَّ الذَّاتيّة، وكم كانت سعادتي كبيرة إذ إنّ كلَّ واحدة كنتُ أطلب سيرتها كانت تقترح عليّ مجموعة من الأسماء وتُرسل لي أرقام الهواتف، ويتمّ التّواصل معهنّ مباشرة، وأرى الإيجابيّة تنتقل من واحدة إلى أُخرى، وكلّ واحدة تعطيني أسماء المبدعات في منطقتها بكلّ فخرٍ واعتزاز…
تعرّفتُ إليهن عن قرب، فعَرَفت أين وُلِدْنَ وكيف نشأنَ وأين حَصَّلْنَ علومَهن، وعَرَفت قصّة كفاحِ كلِّ واحدة منهنّ والّتي تختلف عن قصّة الأُخرى بتفاصيلها… قرأت أسماء مؤلَّفات الكاتبات أو الشّاعرات وشعرت مع كلِّ اسمِ كتابٍ كم تَعَذَّبَتْ وبحثتْ صاحبتُه ليبصرَ النّور… وأنا كما يقول المتنبّي:
لا يعرف الشّوقَ إلّا مَن يُكابدُه
ولا الصّبابةَ إلّا مَن يُعانيها
ودخلت في رحلة مع الفنّانات التَّشكيليّات اللّاتي أبدعن وأَحسستُ الألوان تُلامسُ روحي وبَصَري وتأخذُني إلى صاحبة هذا الفنّ الرّاقي ليزدادَ شعوري بمشقّة ولادة كلِّ لوحة.
أمّا رائداتُ الفنّ والإعلام والمَسرح فلهنّ قِصَصٌ أخرى، ولَشَدَّ ما أَثّرَ بي قولُ إحداهُنّ: لقد فتحنا طريقنا بأظافرنا، فلم يكن عصرُنا سهلًا كهذا العصر ولا الوصول إلى الرّيادة مفتوح إلّا للمبدعات الحقيقيّات…
وأقول: لم يكن الطّريق سهلًا ولن يكون إلّا لِذَوِي الهِمَمِ العاليةِ والآمالِ الكبيرة الَّذين يرسمون آفاق الغد والمستقبل.
ولَشَدَّ ما فرحتُ يوم وجدت رائداتٍ في أدب الأطفال قَدَّمنَ ويُقَدِّمْنَ كلَّ يوم أفكارًا جديدة لخلقِ جيلٍ واعٍ كي يستطيع مجابهة العُقَد والمشاكل ويُشارك في بناء وطنه.
ودخلت عالَم رائدات الأعمال اللّواتي قدّمن مشاريع أثّرت في بُنية المجتمع، والعالمات المتفوّقات والطّبيبات الرَّائدات الحاملات شعلة الإنسانيّة.
ولعلّ أكثر ما أثّر بي السّيدات اللّواتي اهتممنَ بذوي الاحتياجات الخاصّة فسخّرن أنفسهنَّ لخدمة هذه القضيّة وجعل هذه الفئة من المجتمع تعيش حياة طبيعية وتمارس حقَّها في التَّعليم والتّرفيه والعناية الصّحيّة، ولاحظت أنّ كثيرات مِن صاحبات السّموّ الأميرات انتبهن منذ البدايات لهذه القضيّة فكان من أكبر همومهنّ النّظرُ والبحثُ عن حلول لمساعدة هذه الفئة الغالية في المجتمع، وكذلك إيجاد الحلول لمشاكل النّساء والأطفال، والأمراض المستعصية.
العمل في الكتاب:
أكاديميّة أنا حتّى النّخاع، ولم أقبلْ يومًا أن أتخلّى عمّا تعلّمته في دراساتي العُليا في تحقيق المخطوطات وتأليف الكتب، ولكنّني أُصِرُّ اليومَ أنّ شروط الكتابةِ قد تغيّرت، وأنّ ما كان مفروضًا علينا بات قابلًا للتّعديل، فما عاد الكتابُ الورقيُّ هو المصدر الأوّل لكتابة التّرجمة، بل التّواصل المباشر مع صاحب التّرجمة، والّذي بات متيسّرًا في أيّامنا هذه من خلال مواقع التّواصل الاجتماعيّ، والّذي جَنَّبَنا ما عانى منه الكثيرون ممّن عملوا في كتب التّراجم قبلنا، من اختلاف المعلومات بين مرجع وآخر عن الشَّخص نفسه.
جمعتُ أسماء المراجع التي أُلِّفَتْ وطَلبتُها من مصادرها، واعتمدتُ عليها ولكن أغلب هذه المصادر مرّ عليها أكثر من خمس سنوات، وهذا يعني أنّ صاحبة التَّرجمة من الممكن أن يكون إنتاجها قد زاد، فكان لا بدّ من التّواصل معها لاستكمال المعلومات، وكثيرًا ما كنت أجدُ نقصًا في التّفاصيل، فقد وجدت أن المعلومات والتّفاصيل عن المؤلَّفات غير مكتملة فحاولت مع صاحبات العلاقة أن نستكملها ليكون الكتابُ مرجعًا لمعرفة الأدب النِّسْويّ السّعوديّ بكلّ تفاصيله… هذا الأدب الّذي قد يصبح قدوة لكلّ العرب.
مَنْ هنّ النّساء اللّواتي ذُكِرنَ في الكتابِ:
قد يكون الإنجازُ لوحةً أو كتابًا أو بحثًا أو عملًا خيريًّا بذلت صاحبته أقصى جهدها ليبصر النّور.
• رائدات في عالم الطّبّ.
• أميرات تركنَ بَصمةً في الحياة الفكريّة أو الاجتماعيّة أو النّشاطات الخيريّة.
• باحثات، مخترعات، عالمات،.
• إعلاميّات رائدات، ومُخْرِجات، وممثّلات، ومسرحيّات مُبدعات.
• النّساء اللّواتي تَرَكنَ أثرًا بارزًا في الأدب والشّعر والرّواية والقصّة.
• الفنّانات التّشكيليّات اللّواتي ساهمنَ في نشر إبداعاتهنّ داخل بلدهن وخارجه، وأعطين فكرة عن انتشار أنواع معيّنة من الفنون في بلادهن.
• سيّدات أعمال لديهنّ مشاريع مجتمعيّة.
ترتيب الأسماء:
قمتُ بترتيب الأسماء حسب الحرف الأول ثم الثّاني ثم الّذي يليه، لأنّها الطّريقة الأسهل للوصول إلى الاسم مباشرة، ووضعت فِهرسًا في آخر الكتاب ذكرتُ فيه الاسم، والمهنة والصّفات (بروفيسورة، أستاذة جامعيّة، روائيّة، قاصّة، شاعرة، فنّانة تشكيليّة…).
ترتيب المعلومات داخل التّرجمة:
ذكرت الاسم الثّلاثي أوّلًا، ثمّ تاريخ الولادة إن وُجدَ، والوفاة، ثمّ العمل (بروفيسورة، أستاذة جامعيّة، عضوة بمجلس الشّورى)، ثمّ الصِّفات (روائيّة، قاصّة، شاعرة، فنّانة تشكيليّة…)، ثم من أيّ مدينة، والشّهادات الحاصلة عليها وتواريخها واسم الجامعة، ثم العضويّات، ثمّ أهمّ نشاطاتها، وأسماء الكتب إن كانت كاتبة أو شاعرة أو باحثة، مع المعلومات عن الكتب، الجوائز والتكريمات، ثمّ المراجع المعتمَدة.
الهِجري والميلادي:
كثيرة من التّراجم التي وصلتني كانت التّواريخ مذكورة بالهِجري، وقد حاولت تحويلها إلى الميلادي ولكن هذا غير ممكن إذا لم يُذكَر الشّهر واليوم، لذلك يجدُ القارئ أن التّواريخ بعضها بالميلادي وبعضها الآخر بالهجري وذلك تجنّبًا للخطأ في التّحويل.
المصادر والمراجع:
تمّ وضع المصادر المعتمَدة وراء التّرجمة مباشرة، وفي حال أنني حصلت على السّيرة مباشرة من صاحبتها فقد ذكرت في المراجع: السّيرة الذَّاتيّة، وهذا ما يميّز كتابي فيمكن أن يكون مصدرًا في حال الأسماء التي أخذتُ المعلومات عنها من صاحبتها مباشرةً. أمّا الأسماء التي ليس لها مصادر ورقيّة عندي ولم أتواصل مع صاحباتها ورجعت إلى الصّحف المنشورة على الإنترنت فقد كتبت اسم الصّحيفة والتّاريخ، وفي حال كان لصاحبة السّيرة موقعًا إلكترونيًّا فكنت أضعُه ليستطيع القارئ الرّجوع إليه وأخذ المزيد من المعلومات.
وبينما كنت أكتب عن آخر سيّدة في المعجم ليأخذ طريقه إلى الولادة، صدرت الأوامر الملكيّة التي تُرجِع للمرأة السّعوديّة الحقوق التي كانت محرومة منها.
وأقول إنّه من خلال عملي الطّويل في تدوين سِيَر النّساء وقصص كفاحهنّ للوصول إلى أهدافهنّ في العلم والعمل للمساهمة في نهضة الوطن، تأكّد لي أنَّه لا يمكن دراسةَ تاريخ أُمّةٍ إلَّا إذا درسنا وضعَ المرأة فيها وعِلمَها وعَمَلَها وعطاءاتِها وبيئتَها الّتي عاشت فيها، ومن هنا أدعو الباحثين الّذين يريدون دراسة تاريخ المملكة العربيّة السّعودية أن يعودوا إلى تاريخ النّساء فيها، وإلى عطاءاتهنّ في مختلف المجالات وتحوّلهن في كثير من الأحيان إلى العالميّة، إنه كفاح الوجود الإنسانيّ بكلّ معنى الكلمة.
ولكلِّ امرأة كتبتُ عنها سواءً تواصلتُ معها أم لا، أقول: إنّني أخذتُ من تجاربكنّ وعطاءاتكنّ الكثير الكثير، وحملتُ قصّةَ كفاح كلّ واحدة منكنّ في قلبي وضميري، وزادتني هذه المعرفة قوّةً وعزيمةً وإصرارًا على العمل.
إنّ هؤلاء السّيّدات اللّواتي كتبتُ عنهنّ لَسْنَ كلَّ المبدعات والبارزات في المجتمع السّعودي، بل هناك الآلاف اللّواتي يجب الكتابة عنهنّ وإبراز عطاءاتهن، وإن شاء الله سيكون هناك جزء آخر أو أجزاء أخرى…
وأقول أيضًا إنّ هناك نساءً لم تُكتَب أسماؤهنّ في كُتب ولن تُكتَب، هنّ الجنديّات المجهولات… الأُمّهات اللّواتي تفرّغنَ لتربية أبنائهنّ وبناتهنّ لإيصالهم إلى النّجاح في الحياة، واللّواتي يستحققن منّا كلَّ التّقدير والاحترام؛ وهناك الرَّجُل الّذي وقف إلى جانب زوجته أو ابنته أو أخته فأخذ بيدها ودعمها لتحقيق طموحاتها التي لا تقلّ عن طموحاته، وقد مرّت قصص كثيرة من خلال قراءتي عن اللّواتي كتبت عنهن كيف كان الأب يرسل بناته مع الوالدة أو الأخ إلى مصر أو الشّام ليتمّوا الدّراسة…
وقبل كلِّ كلام لا بدّ أن نذكر دور مؤسِّس المملكة العربية السّعودية الملك عبد العزيز بن عبد الرّحمن آل سعود وأبنائه وكلّ مَن تبوّأ منصبًا والّذين وضعوا نصب أعينهم منذ تأسيسها مسألة التّعليم وليس فقط للرّجال وإنّما للنّساء أيضًا إيمانًا منهم أن تعليم المرأة هو سلاحُها، وهو الّذي سيجعلها تساهم في نهضة الوطن، ففتحوا المجال للبعثات للمتفوّقات من النّساء، بل وزيادة في الدّعم سمحوا للأب أو الأخ أو الزّوج أن يرافقها وكانت الدّولة تدفع للمُرافق مقابل وجوده إلى جانب المرأة لتعود حاملة الشّهادات العليا لتشارك بفعالية في تنمية المجتمع.
أتمنّى من القارئ العزيز أن يأخذَ الكتاب بمحبّة كما كَتبتُه بمحبّة يوم أردتُ كشف النّقاب عن دور المرأة السّعودية وعطاءاتها، وأن يسامحني لو كان هناك من تقصيرٍ غير مقصود، فالكمالُ لله وحدَه، وأنا قد بذلتُ قُصارى جهدي ليكون الكتابُ بأفضل صورة وأن يملأ فراغًا في المكتبة العربيّة.
والله وليّ التوفيق
غريد الشّيخ محمّد
18/8/2019


















ماشاءالله تبارك الله .